فوزي آل سيف
80
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
شَأنُكَ؟ فَقالَ: قُتِلَ عَمّارُ بنُ ياسِرٍ، فَقالَ: قُتِلَ عَمّارٌ، فَماذا؟ قالَ عَمرٌو سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَقُولُ: «تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ» فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ: أنَحنُ قَتَلناهُ إنَّما قَتَلَهُ عَلِيٌّ وأصحابهُ؟ جاءُوا بِهِ حَتّى ألقَوهُ بَينَ رِماحِنا أو، قالَ: سُيُوفِنا".[217] أقول: كان جيش الشام -ولا يزال يسير على نفس الخطى الاتجاه الأموي في المؤرخين والمؤلفين - يستفيد من الخديعة في الدين والتلبيس على الناس للحصول على الدنيا، وإلا فإنّ معنى ما قاله معاوية بن أبي سفيان عن أن من قتل عمارًا هو الذي أخرجه يعني عليًّا أمير المؤمنين، معنى ذلك أن يكون قاتلَ حمزة بن عبد المطلب هو رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه أخرجه للقتال وليس وحشيًّا بأمر هند! وأنه صلى الله عليه وآله هو قاتل شهداء المسلمين في بدر وأحد وخيبر والأحزاب وسائر المعارك، لأنهم إنما خرجوا بأمره! وهذه الخديعة بالرغم من وضوح خطلها وخللها إلا أنها انطلت على أولئك الحمقى الذين قال عنهم معاوية نفسه أنه يقاتل بقوم لا يفرقون بين الناقة والبعير![218] ونفس هذا الاتجاه الأموي المعاصر يكرر ذات الخديعة عندما يقول بأن الذي قتل الحسين عليه السلام هم شيعته لأنهم هم الذين دعوه للخروج. ولأن هؤلاء الزعماء لا يستقيم لهم الأمر من دون الاستمرار في التغفيل والخداع فقد استعانوا بالمنامات والأحلام ليصالحوا بين الفئة الهادية والفئة الباغية! ويفرشون للجميع القباب في الجنة! وكأنما الدنيا كانت تمثيلية ومسرحية لا يترتب على الجاني فيها عقاب ولا على المحسن ثواب! ولا يهم، فإذا كان بالإمكان أن يخدع أولئك بالقول: إنما قتله من أخرجه من بيته لا الذي قطع رأسه بالسيف! فليؤمن هؤلاء بأن الجميع في الجنة يسرحون ويمرحون! إن العقل (الطبل) الذي يصدق ذاك لن يعسر عليه أن يصدق هذا، فاسمع إلى هذا الكلام: "رَأى عَمرُو بنُ شُرَحبِيلَ أبُو مَيسَرَةَ. وكانَ مِن أفاضِلِ أصحاب عَبدِ اللَّهِ (بن مسعود). فِي المَنامِ قالَ: رَأيتُ كَأنِّيَ أُدخِلتُ الجَنَّةَ فَإذا قِبابٌ مَضرُوبَةٌ. فَقُلتُ: لِمَن هَذِهِ؟ قالُوا: لِذِي الكَلاعِ وحَوشَبٍ. وكانا مِمَّن قُتِلَ مَعَ مُعاوِيَةَ. قالَ قُلتُ: فَأينَ عَمّارٌ وأصحابهُ؟ قالُوا: أمامَكَ. قالَ قُلتُ: وقَد قَتَلَ بَعضُهُم بَعضًا. قِيلَ إنَّهُم لَقُوا اللَّهَ فَوَجَدُوهُ واسِعَ المَغفِرَةِ. قُلتُ: فَما فَعَلَ أهلُ النَّهَرِ؟ قِيلَ: لَقُوا بَرحًا[219]. قالَ: أخبَرَنا قَبِيصَةُ بنُ عُقبَةَ قالَ: أخبَرَنا سُفيانُ عَنِ الأعمَشِ عَن أبِي الضُّحى قالَ: رَأى أبُو مَيسَرَةَ فِي المَنامِ رَوضَةً خَضراءَ فِيها قِبابٌ مَضرُوبَةٌ فِيها عَمّارٌ وقِبابٌ مَضرُوبَةٌ فِيها ذُو الكَلاعِ. قالَ قُلتُ: كَيفَ هَذا وقَدِ اقتَتَلُوا؟ قالَ: فَقِيلَ لِي وجَدُوا رَبًّا واسِعَ المَغفِرَةِ".[220] فانحلت المشكلة: القاتل والمقتول في الجنة! والهادي والباغي في الجنة! والتحويل على بنك (واسع المغفرة) والمصدر لكل ذلك هو منام رآه شخص لا نعلم ماذا أكل قبل نومه!! ***
--> 217 ) النيشابوري 3/ 437 قال: صَحِيحٌ عَلى شَرطِهِما، ولَم يُخَرِّجاهُ بِهَذِهِ السِّياقَةِ 218 ) المسعودي؛ علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجوهر3/32 "دخل رجل من أهل الكوفة على بعير له إلى دمشق في حالة منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي، آخذت مني بصفين، فارتفع أمرهما إلى معاوية، وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون أنها ناقته، فقضى معاوية على الكوفي، وأمره بتسليم البعير إليه، فقال الكوفي: أصلحك الله! إنه جمل وليس بناقة، فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره، وسأله عن ثمن بعيره، فدفع إليه ضعفه وبره، وأحسن إليه، وقال له: أبلغ عليًّا إني أقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل! 219 ) أي عذابا!! يعني أن الله كان واسع المغفرة فقط لأصحاب معاوية أما أهل النهر فلا! 220 ) ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣ / ١٩٩