فوزي آل سيف

8

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وآله! فهؤلاء بأقسامهم وباختلاف أساليبهم إنما كانوا من صحابة النبي صلى الله عليه وآله ولم يكونوا من فئة أخرى! ونحن نلاحظ أنه في هذه السورة المباركة تارة يذكر أقسامهم بقوله (ومنهم..) وأخرى يذكر ممارساتهم وأقواله كقوله عنهم: (لَو كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَت عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ استَطَعنَا لَخَرَجنَا مَعَكُم يُهلِكُونَ أَنفُسَهُم وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ)[24]، وهكذا قوله تعالى (لَقَدِ ابتَغَوُا الفِتنَةَ مِن قَبلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمرُ اللَّهِ وَهُم كَارِهُونَ)[25] وثالثة يقول (وَمِنهُم مَن يَلمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِن أُعطُوا مِنهَا رَضُوا وَإِن لَم يُعطَوا مِنهَا إِذَا هُم يَسخَطُونَ)[26] وهكذا!. الوقفة الثالثة: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة للسنة النبوية. وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ففيها ما يخالف هذه النظرية كثيرا، أشهرها الحديث المروي في صحيح البخاري [ت: 256هـ] "وان أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقال أنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"([27]). وفي رواية أخرى: " إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل([28]) النعم "([29]). فماذا تصنع نظرية عدالة الصحابة جميعًا، وأنهم أفضل البشر طراً وأنهم من أهل الجنة قطعًا. الوقفة الرابعة: أن نظرية عدالة الصحابة مخالفة لسيرة الصحابة أنفسهم. لم يتعامل الصحابة والخلفاء مع بعضهم على أساس هذه النظرية، فمما يروى عن عائشة أنها قالت: " جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيراً، قالت: فغمني، فقلت: تتقلب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك فجئته بها فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك"([30]). فإن المبرر الذي دفع الخليفة الأول بحرق الأحاديث هو خشيته من أن تقع في أيدي غير أمينة فيكون الإثم عليه!! لو كان الصحابة كلهم عدولاً وصادقين، فما سبب خوف الخليفة من أن يكون من حدثه غير صادق؟ وهكذا ما ذكر في أسباب منع الخليفة الثاني الصحابة من الخروج من المدينة فقد ذكر أنهم قد ينتشرون في البلدان فيحدثون بأحاديث لا نعلم صحيحها من سقيمها؟ فهل هذه أسباب واقعية أو هناك أسباب أخرى؟ ليس محلها بحثنا الآن([31]).. خلاصة القول: أن الخلفاء والصحابة أنفسهم لم يكونوا يعتقدون بأن كل صحابي هو عادل وصادق، وإنما كانوا يحتملون أن بعضهم لا يقول الصدق، ويغير ما سمع ولذلك تُـحرق الأحاديث خوفاً من هذا الأمر.

--> 24 ) سورة التوبة، الآية 42. 25 ) سورة التوبة، الآية 48. 26 ) سورة التوبة، الآية 58 27 ) صحيح البخاري: ج4، ص110، وروي في مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص235. 28 ) همل النعم: أي أن الناجي قليل كضالة النعم. [راجع: الترغيب والترهيب في الحديث الشريف للمنذري: ج4، ص422]. 29 ) صحيح البخاري: ج7، ص209. 30 ) الرياض النضرة في مناقب العشرة، للطبري: ج1، ص200. 31 ) نتطرق إليها في المحاضرة الأخرى وهو القسم الثاني من البحث.