فوزي آل سيف

59

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه، ثم قال: أعرض فعرض عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الآن خالك وأحتال عليه في أن يجيئك. فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: أقسم أن أسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، وأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب (حم (*) تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ)[170]فلما سمعها، قال مصعب: والله لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحدًا. ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا خرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب. فلما اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا ولا نرد لك أمرًا فمرنا بما شئت. فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم عليَّ حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحوّل مصعب بن عمير إليه وقال له: أظهر أمرك وادع الناس علانية. وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعًا أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله أن الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، وكتب إليه مصعب بذلك.[171] ملاحظات في ظلال النص المتقدم: 1. بين الآيات المكية والمدنية[172]: بالرغم من وجود فكرة بين المفسرين خلاصتها أن الآيات المكية تتناول قضايا العقيدة والتوحيد وأصول الإيمان بالرسول ويوم القيامة وما يرتبط بهذه القضايا من أدلة وتفاصيل، وهذه بعض ميزاتها من جهة الموضوع بالإضافة إلى وجود ميزات لها من جهة الأسلوب واللغة، بينما تتناول الآيات المدنية في الغالب قضايا التشريع والأحكام سواء في الأمور العبادية أو المعاملاتية أو الأحوال الشخصية، وهذه من ميزات مواضيعها بالإضافة إلى ميزات أسلوبية، إلا أننا نجد في هذه الآيات المباركات التي تلاها النبي صلى الله عليه وآله على أسعد بن زرارة ومن معه، فقد جاء فيها قضية التوحيد، وبالإضافة إلى ذلك فقد عدد ثمانية تشريعات وأحكام، أغلبها اجتماعي.. ما يعني أن الفكرة المشهورة والمذكورة آنفا عن الآيات المكية لا كلية لها، وإنما هي (في الجملة) هكذا. 2. اختيار النبي لمصعب بن عمير: في طلب أسعد بن زرارة قال: يا رسول الله ابعث معنا رجلًا يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك..

--> 170 ) سورة فصلت: 1ـ2 171 ) الطبرسي: إعلام الورى بأعلام الهدى 1/ ١٤١، والسيرة النبوية لابن هشام الحميري ت السقا ١/‏٦٨٠ 172 ) لتفصيل هذا الموضوع يمكن مراجعة كتابنا: معارف قرآنية.