فوزي آل سيف
47
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
أعلى درجات العصمة عن كل نقص وعجز إنساني، هو معصوم عن الذنب بل عن الخطأ والسهو أيضا، سواء كان في تبليغه الرسالة أو حياته العادية. وبهذا الفهم المباشر والفطري فقد اختصر خزيمة المسافات التي تاه فيها حتى بعض من تأخر من (العلماء) الذين يفترض فيهم أنهم وقد نضجت الاستدلالات وتعمقت الأبحاث أن تكون الحقائق أقرب إليهم، وأن تكون معرفتهم بنبيهم أعمق! إلا أننا وجدنا أن بعضهم ولا سيما غير المنتمين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام لا يعتقدون بعصمة النبي صلى الله عليه وآله في غير التبليغ،[135]فهو في تبليغ الآيات والأحكام كما يقولون معصوم عن الخطأ وأما في سائر شؤونه العادية والحياتية فلا يمتنع عليه الخطأ والسهو والنسيان. ويعتمد الامامية على ما جاء من آيات وروايات في إثبات عصمة النبي صلى الله عليه وآله فإنها تدل بإطلاقها على عدم حصول الخطأ منه عمدًا وسهوًا ونسيانًا.. بالإضافة إلى أنه لو تم الالتزام بخطئه وسهوه ونسيانه فإنه يلزم من ذلك سقوط السنة الفعلية والتقريرية عن حجيتها! إذ أنه لا يجتمع الاقتداء به في أفعاله -كسنة فعلية - مع احتمال أن يكون ناسياً أو ساهياً أو خاطئاً، وكان ينبغي أن يُسأل في كل عمل يقوم به: هل أنت جادٌّ وذاكرٌ في هذا العمل أو أنك ناسٍ أو ساهٍ؟ وحيث لا يتميز الأمر في أفعاله ينتهي هذا إلى سقوط السنة الفعلية النبوية. فإذا ركب الناقة وطاف عليها وجعل الكعبة على يساره لا نستطيع بناءً على هذا أن نقتدي به على وجه الالزام فلعله كان ساهيًا أو ناسيًا في ذلك! ذو الشهادتين: هذه الحادثة التي جرت والتي عرف بها خزيمة بذو الشهادتين ترتبط بموضوع عصمة النبي صلى الله عليه وآله وقد ذُكِرت في مصادر الإمامية ومدرسة الخلفاء: وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله اشترى فرسًا من أعرابي، فحسد بعض المنافقين رسول الله صلى الله عليه وآله في شرائه، فقالوا للأعرابي: لو تبلغت به إلى السوق بعتَه بأضعاف هذا فدخل الأعرابيَّ الشرهُ والطمع، فقال: ألا أرجع فأستقيل؟ فقالوا: لا، ولكنه رجل صالح فإذا جاء بنقدك فقل ما بعتك بهذا، فإنه سيرده عليك. فلما جاء النبي صلى الله عليه وآله أخرج إليه النقد فقال: ما بعتك بهذا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق لقد بعتني بهذا. وعندما أنكر الأعرابي ذلك وقال: أبغني شاهدًا، قام خزيمة بن ثابت فقال: يا أعرابي أشهد لقد بعت رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الثمن، فقال الأعرابي: لقد بعتُه وما معنا من أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لخزيمة: كيف شهدتَ بهذا؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي تخبرنا عن الله وأخبار السماوات فنصدقك، ولا نصدقك في ثمن هذا؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله شهادته شهادة رجلين فهو ذو الشهادتين [136]. ذو الشهادتين والاعتراض على بيعة السقيفة:
--> 135 ) الصنعاني؛ عبد الرزاق: تفسير عبد الرزاق ٣/٤١٨ عَنْ قَتادَةَ، فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ قالَ: «كانَ اللَّهُ يُنْسِي نَبِيَّهُ ما يَشاءُ»! وفي مدونة مالك بن أنس ١ /١٩٦..عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله - صَلّى بِالنّاسِ يَوْمًا الصُّبْحَ فَقَرَأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] فَأسْقَطَ آيَةً، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: أفِي المَسْجِدِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ قالَ: نَعَمْ، ها أنا ذا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: فَما مَنَعَكَ أنْ تَفْتَحَ عَلَيَّ حِينَ أسْقَطْتُ؟ قالَ: خَشِيتُ أنَّها نُسِخَتْ، قالَ: فَإنَّها لَمْ تُنْسَخْ». وفي مصنف ابن أبي شيبة ١/٣٨٣.. صَلّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله صَلاةً فَزادَ أوْ نَقُصَ، فَلَمّا سَلَّمَ وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ بِوَجْهِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ قالَ: «وما ذاكَ» قالُوا: صَلَّيْتُ كَذا وكَذا، فَثَنى رِجْلَهُ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ أنْبَأْتُكُمْ بِهِ، ولَكِنِّي بَشَرٌ أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، فَإذا سَها أحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ فَإذا سَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ»! وقصة من سمي بذي اليدين أو ذي الشمالين مشهورة في كتب القوم! وهي وإن كانت موجودة في بعض مروياتنا إلا أن علماءنا ردوها بأدلة نقلية ثابتة بل وبأدلة عقلية. 136 ) ابن سعد، محمد: الطبقات الكبرى ط العلمية ٤/٢٧٩ والمفيد؛ محمد بن النعمان في الإختصاص ص 64