فوزي آل سيف
41
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
3. في مقابل هذا التكريم والإعظام له فإنه لم تخل حياة سلمان من مضايقات وانتقاص منه لجهة كونه غير عربي في مكان كانت القبيلة والانتساب هو الشرف الأكبر قبل أن يقلب الإسلام هذه المعادلة ليقول (إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم)[120]. فقد روي عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام أنه قال: جلس عدّة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ينتسبون، وفيهم سلمان الفارسي، وإنّ عمر سأله عن نسبه وأصله؟ فقال: أنا سلمان بن عبد اللّه، كنت ضالّا فهداني اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله، وكنت عائلاُ فأغناني اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله، وكنت مملوكاً فأعتقي اللّه بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله، وهذا حسبي ونسبي. ثمّ خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فحدّثه سلمان وشكا إليه ما لقي من القوم وما قال لهم، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله: يا معشر قريش! إنّ حسب الرجل دينه ومروّته، وأصله عقله، قال اللّه تعالى: (إِنَّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلناكُم شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقاكُم) يا سلمان! ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلّا بتقوى اللّه، وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل. بل لقد نقل أنه خطب سلمان إلى أحد أصحاب النبي، فردّه؛ ثمّ ندم فعاد إليه، فقال: إنّما أردت أن أعلم ذهبت حميّة الجاهليّة من قبلك أم هي كما هي؟ ويروى عن أمير المؤمنين عليه السلام حادثة، تتجاوز في عنصرية القائم بها الشعور الداخلي وكلام الافتخار إلى حد التنحية والتحقير، فعنه عليه السلام:.. ولقد حضرت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلمان بين يديه، فدخل أعرابيّ، فنحّاه عن مكانه وجلس فيه، فغضب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله حتّى درّ العرق بين عينيه واحمرّت عيناه؛ ثمّ قال: يا أعرابي! أتنحّي رجلا يحبّه اللّه تعالى في السماء ويحبّه رسوله في الأرض؟ يا أعرابي! أتنحّى رجلاً ما حضرني جبرئيل إلّا أمرني عن ربّي تعالى أن أقرأه السلام. يا أعرابي! إنّ سلمان منّي، من جفاه فقد جفاني، ومن آذاه فقد آذاني، ومن باعده فقد باعدني، ومن قرّبه فقد قرّبني. يا أعرابي! لا تغلظنّ في سلمان فانّ اللّه تعالى قد أمرني أن أطلعه على علم المنايا والبلايا والأنساب، وفصل الخطاب. فقال الأعرابي: ما ظننت أن يبلغ من فعل سلمان ما ذكرت! أليس كان مجوسيّا ثمّ أسلم؟ فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله: يا أعرابي! أخاطبك عن ربّي وتقاولني: إنّ سلمان كان مجوسيًّا! ما كان مجوسيًّا، ولكنّه كان مظهرًا للشرك مضمرًا للإيمان. يا أعرابي! أما سمعت عزّ وجلّ يقول: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً)؟[121] موقف سلمان من الخلافة الرسمية: كان من الطبيعي أن يقف سلمان المحمدي إلى جانب حق علي بن أبي طالب وأن يعارض الخليفة الأول، فإن من علم علمَ الأول والآخر، لا ريب سيصل إليه الكثير مما هو في أمير المؤمنين عليه السلام من صفات وميزات وتقدم. وسيأتي أنه قد حدّث ببعضها ونقلت عنه كما سيأتي في الصفحات القادمة. ولأجل أنه عارض الخلافة وناصر حق عليٍّ عليه السلام فقد أغفلت كتب التاريخ ومصادر مدرسة الخلفاء أي ذكر لسلمان بعد النبي صلى الله عليه وآله وكأنه قد مسح ملفه بالكامل فلا ذكر له، ولا حديث عنه، ولا بيان لموقف من مواقفه وكأنّ الزمان قد نسيه
--> 120 ) سورة الحجرات، الآية 9 121 ) التستري؛ الشيخ محمد تقي: قاموس الرجال ٥/١٩٩