فوزي آل سيف
34
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
أول ما نلتقي بالمقداد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، اعتراضه على الخليفة الأول، وبينما كانت مواقف أصحاب النبي من شيعة عليٍّ عليه السلام متفاوتة بين الإدراك العميق وبين التساؤل عن سر سكوت الإمام الظاهري وعدم قيامه بالسيف في وجه الخلافة، وبين حائر في التوفيق ما بين شجاعة الإمام وموقفه هنا، إلا أن الذي لم يدخله شك ولا ارتياب في موقف الإمام كان هو المقداد[99]. وبناء على هذا فقد توجه المقداد مع أحد عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وشيعة عليّ إلى المسجد واعترضوا على الخليفة ونصحوه، كما ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام وكان منهم المقداد الذي خاطب الخليفة قائلاً: ارجع يا أبا بكر عن ظلمك، وتب إلى ربك، والزم بيتك، وأبك على خطيئتك، وسلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك، فقد علمت ما عقده رسول الله صلى الله عليه وآله في عنقك من بيعته، وألزمك من النفوذ تحت راية أسامة بن زيد وهو مولاه... اتق الله وبادر الاستقالة قبل فوتها ذلك أسلم لك في حياتك وبعد وفاتك، ولا تركن إلى دنياك، ولا تغررك قريش وغيرها، فعن قليل تضمحل عنك دنياك، ثم تصير إلى ربك فيجزيك بعملك وقد علمت وتيقنت أن علي بن أبي طالب عليه السلام صاحب هذا الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمه إليه بما جعله الله له، فإنه أتم لسترك وأخف لوزرك، فقد والله نصحت لك إن قبلت نصحي وإلى الله ترجع الأمور.[100] فلا نستغرب بعد هذا الموقف كيف غابت سيرة المقداد وتاريخه من كتب مدرسة الخلفاء وتبخرت كما قطرة ماء في صيف قائظ! نعم تسرب من هنا وهناك ما أفلت من ناظور المراقبين، مثل موقفه يوم الشورى حينما صرح بالصوت العالي: عندما اجتمع الناس، وهم ينتظرون ما تقرره الشورى في أمر الخلافة بعد عمر حتى يبايعونه، أقبل المقداد، وقال: أيها الناس! اسمعوا ما أقول: أنا المقداد بن عمرو، إنكم إن بايعتم عليًّا سمعنا وأطعنا، وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا، فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، فنادى: أيها الناس! إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا، وإن بايعتم عليًّا سمعنا وعصينا، فقال له المقداد: يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه، ومتى كان مثلك يسمع له الصالحون؟ وبالفعل قد كان عبد الله بن أبي ربيعة عدوًّا لله ولرسوله، ومحاربًا للدين، ولولا أن أم هانئ بنت أبي طالب قد أجارته -وهي مسلمة - فيمن أجارت لكان سيف ذي الفقار بيد عليٍّ قد أخذ من عنقه مأخذًا! فهل كان يتوقع من ابن أبي ربيعة غير هذا؟ وإذ تمت الصفقة بين عبد الرحمن بن عوف وبين عثمان ولم تكن المرة الأولى التي تآمرت قريش فيها كما قال أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام، فحلب له حلبًا بأمل أن يعطيه شطره! وضاعت الخلافة من جديد، الأمر الذي جعل المقداد يتألم أسفًا إلى حد يذكر بالبكاء فيقول: تالله ما رأيت مثل ما أُوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، واعجبًا لقريش! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أن أحدًا أقضى بالعدل، ولا أعلم، ولا أتقى منه، أما والله لو أجد أعوانًا…
--> 99 ) المفيد، الشيخ محمد بن النعمان: الاختصاص ٢١ عن الإمام الصادق عليه السلام: فأما الذي لم يتغير منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله حتى فارق الدنيا طرفة عين فالمقداد بن الأسود، لم يزل قائماً قابضاً على قائم السيف عيناه في عيني أمير المؤمنين عليه السلام، ينتظر متى يأمره فيمضي.. 100 ) الطبرسي، أحمد بن علي الاحتجاج١/111، وأول الحديث هكذا: عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثنى عشر رجلا من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، وكان من بني أمية وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي ومن الأنصار أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري.