فوزي آل سيف
144
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
وقد يكون مصدر الرواية الأولى المنقولة عن إرشاد الشيخ المفيد (ت 413 هـ) هو مسند أحمد بن حنبل (ت 241هـ) حيث ذكر الحديث بنفس السند[436]إلى قوله فشهدوا، من دون ذيله (وكنت أنا في من سمع ذلك فكتمته فذهب الله ببصري، وكان يندم على ما فاته من الشهادة..) ثم الطبراني[437](ت 360 ه) في المعجم الكبير[438]ـ ويظهر أنه أول كتاب جاء فيه (وكنت فيمن كتم فذهب الله ببصري) وأخذ الحديث مع ذيله عن الطبراني، ابن مردويه الاصفهاني وابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج، وابن المغازلي والذهبي وغيرهم.. وكلها بإضافة هذا الذيل. وهنا نستطيع تسجيل النقاط التالية: 1. أن رواية الطبراني وهي أول نص فيما يبدو ذكر فيه عن زيد أنه كتم فذهب الله ببصره، لا تتمتع بالاعتبار السَّنَدي لا في مدرسة الخلفاء ولا بحسب مدرسة أهل البيت، فقد مر ذكر أن في سَندها ثلاثة رواة تم تضعيفهم كما تجد في الهامش، وكذلك الأمر في رأي رجاليي وفقهاء الامامية فقد ردّ السيد الخوئي الرواية وهي التي نقلها المفيد بعلتي الارسال والضعف[439]. وهي الأساس في ما بعد الطبراني من المحدثين والكتب. نعم كانت موجودة في مسند أحمد وهو يسبق الطبراني بنحو قرن من الزمان إلا أنه لا يوجد فيها ذكر عن الكتمان وعمى البصر. 2. بالنسبة لرواية الاحتجاج، التي نقلها عن أبي المفضل الشيباني، فهي كسابقتها حيث أنها بالإضافة إلى إرسالها من جهة الطبرسي، فإن أبا المفضل وُصِف تارة بالضعيف وأخرى بأنه كان ثبتًا في أول أمره ثم خلّط، مما يمنع الاعتماد عليه، كذلك فهو يرويها بسندٍ لا نعرفه وإن كان وصفه هو -أو صاحب الاحتجاج- بأنه صحيح. هذا مع أن الحادثة لو تمت وهو فقدان بصره فهي لا ترتبط بموضوع المناشدة وحادثة رحبة مسجد الكوفة لأن سياقها يتحدث عن أنها حصلت ما بعد بيعة السقيفة مباشرة وفي المدينة، بينما المناشدة إنما كانت في الكوفة وبعد السقيفة بما يزيد عن ربع قرن من الزمان. فإذن هذه لا ترتبط بموضوع المناشدة.[440]وعلى فرض حصول العمى فإنه لا ريب لم يستمر معه وإلا كيف يقال بأنه شهد مع أمير المؤمنين حروبه وقاتل فيها؟ والذين يذكرون فقدانه البصر إنما يذكرون ذلك في أيام أمير المؤمنين وفيما بعد إلى أواخر عمره! وقد بقي إلى سنة 68 هـ. 3. إن مما يضعف هذه الروايات ما أشار إليه غير واحد من الأعلام بأن زيداً بن أرقم كان ممن " بالغ وتظاهر" في رواية أحاديث مناقب أهل البيت عليهم السلام عموماً وأمير المؤمنين عليه السلام على وجه الخصوص، وحديث الغدير بشكل أخص، فقد رواه عنه العشرات بألفاظ مختلفة وتعابير متعددة بين ذكرٍ لملخص القصة والحادثة والحديث وبين تفصيلٍ لها. وفي خصوص حادثة الرحبة ينقل أحمد بن حنبل وغيره عن زيد بن أرقم شيئاً آخر، حاصله أنه كان يزيل استنكار واستبعاد البعض من أن يكون النبي قد قال الحديث بهذه الألفاظ، وهذا يشير إلى خلاف ما تقدم من إنكاره وكتمانه وأنه لذلك عمي بصره، فقد أخرج أحمد في مسنده وغيره من بعده في كتبهم: عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ، قالَ: جَمَعَ عَلِيٌّ النّاسَ فِي الرَّحَبَةِ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أنْشُدُ اللَّهَ كُلَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ ما سَمِعَ، لَمّا قامَ فَقامَ ثَلاثُونَ مِنَ النّاسِ، وقالَ أبُو نُعَيْمٍ: فَقامَ ناسٌ
--> 436 ) وصف السند بأنه إسناد ضعيف، أبو إسرائيل -وهو إسماعيل بن خليفة الملائي- ليس بذاك القوي، وأبو سلمان -وهو يزيد بن عبد الله مؤذن الحجاج- جهله الدارقطني. الحكم: هو ابن عُتيبة الكندي الكوفي. 437 ) بنفس السند السابق الضعيف بإضافة اسماعيل بن عمرو فزاد في السند ضعيف ثالث! مع زيادة (فكنت فيمن كَتَم؛ فذهب بصري) 438 ) الطبراني: المعجم الكبير ٥/١٧١ 439 ) الخوئي، أبو القاسم: معجم رجال الحديث ٨/ ٣٤٤ أقول: هذه الرواية لا اعتماد عليها فإنها مرسلة، على أن أبا إسرائيل والحكم مجهولان. 440 ) هناك رواية ينقلها الطبراني في المعجم تفيد بأن زيدا فقد بصره أيام رسول الله صلى الله عليه وآله.