فوزي آل سيف
136
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
لقد حصل ما حصل ورأى أمير المؤمنين عليه السلام وخُلّص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أن "الصبر على هاتى أحجى فصبر وفي العين قذى وفي الحلق شجى يرى تراثه نهبا"، حتى إذا جاء من بعده وجاء الخبط والشماس والتلون والاعتراض والاجتهاد غير المنضبط في الأحكام فكان على أمير المؤمنين عليه السلام والخلص من تلامذة النبي صلى الله عليه وآله أن يقوموا الاعوجاج ما استطاعوا وأن يرفعوا الإشكال مهما قدروا، وكان لأبي بن كعب في هذا نصيب واضح، فعندما أراد الخليفة الثاني أن يوزع أموال الكعبة، رفض ذلك منه أبي بن كعب، وقال له: والله ما ذلك لك، لأن الله قد بيّن موضع كل مال وأقرّ رسول الله هذا المال في الكعبة على ما هو عليه، فانتهى الخليفة عن عزمه ذاك.[409] ومثل ذلك ما كان في قضية المتعتين اللتين نهى عنهما الخليفة الثاني، فقد أعلن أبيُّ بوضوح بأنهما كانتا أيام رسول الله ولم ينهَ عنهما فلا معنى لتغيير سنن النبي صلى الله عليه وآله. فعن عَنْ قَتادَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: «مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أنْهى عَنْهُما، وأُعاقِبُ عَلَيْهِما، أثْبِتُوا نِكاحَ هَذِهِ النِّساءِ، واللَّهِ لا أُوتَيَنَّ بِرَجُلٍ يَتَزَوَّجُ امْرَأةً إلى أجَلٍ مُسَمًّى إلّا غَيَّبْتُهُ بِالحِجارَةِ، وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ! فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ما لَكَ ذاكَ، لَقَدْ تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، وتَمَتَّعْنا مَعَهُمْ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ![410] هل صلى بهم صلاة التراويح؟ تكاد مصادر مدرسة الخلفاء تجتمع على أن أُبيّاً قد عين من جهة الخليفة الثاني ليكون إماماً يؤم الناس في نوافل شهر رمضان![411] ولا ريب أن أبي بن كعب كان محل احترام من جهة الخلافة، لمكانته العلمية فهو يعد سيد القُرّاء كما ذكرنا، وقُرّاء القرآن في ذلك الوقت أشبه بموقع المجتهدين في هذا الزمان، لديهم معارف واسعة بالإسلام، فلا نستغرب من الخليفة أن يطلب منه ذلك ويكلفه به، إلا أن موضع الغرابة هو أنه يصلي بهم إماماً في النوافل! مع أن الجماعة في النوافل على ما هو الصحيح من الدين ومنهج أهل البيت عليهم السلام غير مشروعة. فلم يعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله أنه صلى بالناس النافلة جماعة، ولا أنه أشار إلى مشروعيتها وهذا يعرفه حتى أتباع مدرسة الخلفاء، وقد أقر به الخليفة عمر حينما وصفه بأنه (بدعة) لكن رآها بدعة حسنة ولا نعلم كيف يجتمع الابتداع في الدين مع وصف الحسن؟ ونرى في منهج أهل البيت عليهم السلام أن هذا النحو من الصلاة غير مشروع، وأنها بدعة والبدعة لا تكون من الدين، وهنا يثار السؤال: كيف قام أبي بن كعب بهذه المهمة وقبلها من الخليفة؟
--> 409 ) الصنعاني؛ عبد الرزاق: مصنف عبد الرزاق ٥/٨٨: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ أخَذْنا ما فِي هَذا البَيْتِ يَعْنِي الكَعْبَةَ فَقَسَمْناهُ، فَقالَ لَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «واللَّهِ ما ذَلِكَ لَكَ» قالَ: لِمَ؟ قالَ: «لَأنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ مَوْضِعَ كُلِّ مالٍ، وأقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله » قالَ: صَدَقْتَ 410 ) المناسك لابن أبي عروبة ١/٨٤ وقد علق في الكتاب بقوله: واللَّهِ ما نَهى عَنْها عُمَرُ، لَقَدْ أرادَ ذَلِكَ" لكن هذا التعليق غير صحيح إذ نهي عمر عن المتعتين من القضايا التاريخية التي قد تصل إلى حد التواتر. نعم ربما وجه ذلك بأن نهيه عن متعة النساء كان مشددا وكان يعاقب عليه وأما نهيه عن متعة الحج فكان على المستوى النظري لا العملي. 411 ) البخاري؛ محمد بن اسماعيل: صحيح البخاري ٣/٤٥..عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القارِيِّ، أنَّهُ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، لَيْلَةً فِي رَمَضانَ إلى المَسْجِدِ، فَإذا النّاسُ أوْزاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقالَ عُمَرُ: «إنِّي أرى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلى قارِئٍ واحِدٍ، لَكانَ أمْثَلَ» ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرى، والنّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قارِئِهِمْ، قالَ عُمَرُ: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، والَّتِي يَنامُونَ عَنْها أفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ» يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وكانَ النّاسُ يَقُومُونَ أوَّلَهُ..