فوزي آل سيف

13

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وبعد أكثر من مائتي عام جاء ابن حزم الأندلسي الظاهري [ت: 456هـ] ليثبت أن أفضلية الصحابة على البشر هي من الحتميات والقطعيات([47])، فهم من أهل الجنة لا محالة، حتى وصل بنا إلى القرن التاسع فأصبحت جزء من أصل العقيدة عند مدرسة الخلفاء فألفت فيها كتب وشرحت وأصبحت تلك الكتب مورد الإجماع العام مع أن الواقع لا اجماع عليه. يقول ابن حجر العسقلاني: "وقد اتفق أهل السنة على أن الجميع -أي جميع الصحابة - عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة... هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولا ينتقص منهم إلا زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدي إلينا ذلك كله الصحابة وتجريحهم أو الانتقاص منهم يستهدف إبطال الكتاب والسنة"([48]). إنّ ما نشهده من تجليات لمسألة عدالة الصحابة في الاتجاه الرسمي المعاصر في مدرسة الخلفاء هو نتاج طول تلك المدة حتى وصلت إلى هذا الزمان بهذه الصورة وهذا التشدد. المرحلة الثانية: مرحلة التشريع بعد أن أصبحت نظرية عدالة الصحابة جزء ثابت من العقيدة، جاءت المرحلة الثانية لتصبح جزءًا من الاستدلال على الأحكام الشرعية، فأصبح قول وفعل الصحابي سنة وحجة. إنّ الأمثلة على تشريع الصحابة كثيرة نذكر نموذجاً([49]) منها: أتم بعض الصحابة الصلاة في السفر بين مكة وعرفات مع أن النبي قصر في السفر والخليفة الأول والثاني قصروا، حتى وصلت النوبة إلى الخليفة الثالث فتم الصلاة، يقول عبد الرحمن بن يزيد: صلى بنا عثمان بن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان"([50]). وهذا القول يخالف صراحة كتاب الله الذي يقول فيه: (وَإِذَا ضَرَبتُم فِي الأَرضِ فَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ)([51]). ففعل الصحابي عندهم حجة شرعية ودليل من الأحكام ولو لم يسنده للنبي صلى الله عليه وآله. الأسباب والدوافع: يمكن تلخيص الأسباب التي دعت هذه المدرسة لفرض نظرية عدالة الصحابة في التالي: 1. الحالة السياسية والتوظيف الشخصي: لقد قام معاوية بن أبي سفيان باستثمار نظرية عدالة الصحابة سياسيا وتوظيفها توظيفًا يعزز من مكانته ويثبت أركان دولته. لقد تقلد الخليفة الأول ببيعة السقيفة وجاء الخليفة الثاني بعد السابق والثالث بالشورى والرابع استفتاء عام.

--> 47 ) هو القائل بـ(أن الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا). 48 ) الإصابة لابن حجر: ج1، ص131. 49 ) النماذج في ذلك أكثر من أن تحصى وجميعها مدونة في الصحيح من كتب الحديث كصحيح البخاري، ومن النماذج: النداء الثالث لصلاة الجمعة، ومنها: جعل الخطبة في العيدين قبل الصلاة، ومنها: الأذان لصلاة العيدين. 50 ) صحيح البخاري: ج2، ص35. 51 ) سورة النساء، الآية: 111.