فوزي آل سيف
113
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
فقلت: إني على ديني. فقال: «أنا أعلم منك بدينك». فقلت: أنت أعلم منّي بديني؟ قال: «نعم» يقولها ثلاثا. «ألست ركوسيّا؟»[330]فقلت: بلى. قال: «ألست ترأس قومك؟» قلت: بلى. قال: «أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع؟[331]قلت: بلى والله، وعرفت أنه نبيّ مرسل يعلم ما يجهل. قال: «فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك».[332] وتفاعل مع عدي بكل جوارحه مع الرسالة الإسلامية، وتمازجت مع روحه حتى أنه قال "ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها" وربما يكون النبي قد لاحظ فيه ذلك فكان يكرمه ويقربه بالرغم من أن مدة اجتماعه به إلى وفاة رسول الله لم تكن كبيرة إلا أنه يقول "ما دخلت على النَّبيّ صلَّى الله عليه وآله، قط إلَّا وسَّع ليّ أو تحرَّك، ودخلت يوماً عليه في بيته وقد امتلأ من أصحابه، فوسَّع ليّ حتَّى جلست إلى جنبه". [333] ولم يكن هذا التكريم الظاهري هو الشيء الوحيد الذي ربه عدي، وإنما المعرفة بولي الله ووصي رسول الله من بعده كان هو الفوز الأكبر الذي حصل عليه، فقد عرف من خلال النبي صلى الله عليه وآله إمامه بعده وخليفته في أمته.. وشهد كما شهد غيره كيف أن عليًّا أمير المؤمنين قد أزيح عن مقام كان به جديرًا. ووقف عدي بن حاتم كما وقف إمامه من الخلافة والخلفاء، فتفاعل هو وأصحاب أمير المؤمنين إيجابيًّا مع شعور بالمظلومية إلا أنه لم يمنعهم من ممارسة الأدوار التي يستطيعونها أو يندبون إليها، فشارك في الأحداث والمعارك التي حصلت أيام الخليفة الأول والثاني، إلا أن الخليفة الثالث لم يدع لمعتذر عذراً، لكثرة المشاكل الداخلية التي حصلت في زمانه والتغيير والتبديل الذي لم يتحمله الكثير، فكان أن تعرض إلى المواجهة التي تعددت أشكالها من الانتقاد الفردي إلى الجماعي إلى المواجهة اللفظية أمام الناس وأخيرا إلى الثورة ضده "حتى انتكث به فتله وكبت به بطنته". وعدي بن حاتم في ذلك يستهدي بهدايات مولاه أمير المؤمنين عليه السلام، مترقِبّاً اليوم الذي ستكون الخلافة قد جاءت لعلي عليه السلام بعد تأخير خمس وعشرين سنة. فما وصلت حتى انطلق بحماسة الشباب الأقوياء مع أنه في ذلك الوقت يكون عمره قد تجاوز السبعين سنة، وعلى تقديرات أخر قد قارب التسعين![334]لكن متى كان الهمة تعترف بالعمر؟ ومتى كانت الروح الإيمانية يوقفها ضعف الأعضاء؟ ها هو عدي ينطلق إلى قومه الطائيين فيخطب فيهم منبها على حق أمير المؤمنين عليه السلام وواجب الناس في نصرته، وأنه منطلق قبلهم فخرج معه قرابة منهم ستمائة للمشاركة في نصر أمير المؤمنين عليه السلام. وها هو بين يدي إمامه يخاطبه قائلا: «أمّا بعد، فإنّي كنت أسلمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأدّيت الزكاة على عهده، وقاتلت أهل الردّة من بعده، أردت بذلك ما عند الله، وعلى الله ثواب مَن أحسن واتّقى، وقد بلغنا أنّ رجالاً من أهل مكّة نكثوا بيعتك، وخالفوا عليك ظالمين، فأتيناك لننصرك بالحق، فنحن بين يديك، فمرنا بما أحببت. ثمّ أنشأ يقول: ونحن نصرنا الله من قبل ذاكم وأنت بحقّ جئتنا فستنصر سنكفيك دون الناس طرّاً بأسرنا وأنت به من سائر الناس أجدر
--> 330 ) ذكروا في قواميس اللغة أن الركوسية هي دين بين النصارى والصابئين.. ونحتمل أن يقصد من تلك الكلمة: الارثوذكسية. 331 ) والمرباع أن يأخذ الرئيس ربع الغنائم 332 ) الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٦/٣٧٨ 333 ) ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/١٠٥٨ 334 ) قال بعض الرجاليين بأنه عندما توفي كان عمره مائة وعشرين سنة.