فوزي آل سيف

103

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

يعني القول؟ إني خرجت وأبي حسيل فأخذنا كفار قريش وقالوا إنكم تريدون محمداً؟ فقلنا ما نريد إلا المدينة! فهذا يفترض أنهم كانوا في مكة.. إلا أن يقال أنه تصادف وجودهم في تلك الفترة في مكة وحصل لهم هذا الحادث. 2. هل كان يجب على الوالد (اليمان) وابنه (حذيفة) الالتزام للكفار بهذا العهد، والكفار باغون معتدون خارجون لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين؟ بالإضافة لكفرهم.. كيف ونحن نعلم أن:" الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله"[306] كما نقل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، ولا سيما في مثل هذا الموقع حيث هو دفاع عن الاسلام ووجوده وهو أعظم المهمات. 3. هل يجب على المؤمن أن يلتزم بيمين كالتي أخذت منهما من قبل الكفار، وهما في ذلك مكرهان عليها؟ مع أن من شروطها الاختيار والقصد ولذلك فإنه " يجوز أن يحلف على خلاف الواقع مع تضمن المصلحة الخاصة كدفع الظالم عن ماله أو مال المؤمن ولو مع إمكان التورية بل قد يجب الحلف إذا كان به التخلص عن الحرام أو تخليص نفسه أو نفس مؤمن من الهلاك"[307]. إلا أن يقال مع ذلك كله أن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يعلم المسلمين درسا استثنائياً في احترام العهود والأيمان حتى لو لم يكن واجباً عليهم، ومن جهة أخرى يظهر للكفار كيف أن الاسلام يزيد التزام الانسان وأخلاقياته، بل يمكن في هذا الباب - لو تمت تلك الرواية وتم توجيهها - أنه لما كان حذيفة يعد لدور استثنائي وهو أن يكون مخزن أسرار، وعليما بأسماء المنافقين فيحتاج أن يمارس أقصى درجات الانضباط بحيث لا تكون الضغوط أو الرغبات قادرة على فك هذا المخزن، وأنه إذا عاهد النبي صلى الله عليه وآله ألا يتحدث بذلك فما من ظرف سيلجئه إلى إفشاء تلك الأسماء. وعلى كل حال فما فات الوالد في معركة بدر من الشهادة لن تفوته في أُحُد فقد اشتركا - الوالد والولد - فيها وكانا يقاتلان قتال الأبطال، ساعةً وإذا بحذيفة يرى والده وقد استلحم معه المسلمون - ولم يعرفوه - فكان أن أخذت سيوفهم مأخذها منه! وأما صرخات حذيفة: أيها المسلمون إنه أبي! إنه والدي! لا تقتلوه.. فإنها قد ضاعت في صليل السيوف وصرخات المقاتلين وصهيل الخيل! ولعل هذا كان الامتحان الآخر الذي تعرض له حذيفة لتصقل شخصيته وتكمل، ماذا يصنع في هذه الحال؟ وإذ قال حذيفة للمسلمين (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[308]متمثلاً موقف نبي الله يوسف عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه سيعطي ديته من بيت مال المسلمين، باعتبار أن بيت المال ضامن لمثل هذا القتل الخطئي، فوهب حذيفة تلك الدية للمسلمين. أي معدن هذا؟ وأي نفس سامية؟ ربما لو كان غيره لأثارها داحس والغبراء على من أخطأوا وقتلوا والده ولما نجى أحد من غضبه! ولقد وجدنا بعض المسلمين أراد الثأر من بعض آخر على دماء وترات كانت في الجاهلية! وقد أكل الدهر عليها وشرب! بينما هذا الرجل تمزق سيوف المسلمين والده بين عينيه ويقول: لا تثريب ثم يعفو عن الدية أيضا لأنه (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، لقد نجح حذيفة في هذا الامتحان حائزاً على الدرجة الكاملة.

--> 306 ) الزمخشري؛ جار الله: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار ٤/‏١٤٣ والشريف الرضي: نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع) (تحقيق صبحي الصالح)، ص ٥١٣ 307 ) منهاج الصالحين، ج ٢، السيد الخوئي، ص ٣١٨ (مسألة 1547) 308 ) يوسف: 92