فوزي آل سيف

100

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

كذلك فإنه يذكر له موقف حسن فيما يرتبط بحملة جيش الأمويين على مكة قرب أيام الحج، فحين عزم قثم بن العباس والي مكة من قِبل الإمام علي عليه السلام على الانسحاب من مكة وتخليتها لقائد الأمويين جاءه أبو سعيد الخدري متسائلاً عن ذلك ومستغرباً منه فأجابه قثم: قد حدث هذا الذي بلغك وليس معي جند أمتنع به فرأيت أن أعتزل عن مكة، فإن يأتني جند أقاتل بهم وإلا كنت قد تنحيت بدمي! فقال له أبو سعيد: إني لم أخرج من المدينة حتى قدم علينا حاج أهل العراق وتجارهم يخبرون أن الناس بالكوفة قد ندبوا إليك مع معقل بن قيس الرياحي. قال: هيهات هيهات يا أبا سعيد، إلى ذلك ما يعيش أولادنا. فقال له أبو سعيد: رحمك الله فما عذرك عند ابن عمك؟ وما عذرك عند العرب إن انهزمت قبل أن تطعن وتضرب؟ فقال: يا أبا سعيد إنك لا تهزم عدوك ولا تمنع حريمك بالمواعيد والأماني، اقرأ كتاب صاحبي، فقرأ أبو سعيد عليه كتاب أمير المؤمنين وفيه إخبار له بأنه قد أعد نجدة له وأن عليه أن يصبر، لكن قثم بن العباس كان قد أمكن الخوف من قلبه فلم يشأ الاستجابة، بالرغم من نصائح أبي سعيد له! وكانت النتيجة أن سعى أبو سعيد الخدري فيما بين قثم بن العباس أمير الحاج ووالي مكة من جهة الإمام علي وبين يزيد بن شجرة الرهاوي قائد جيش الأمويين على أن يجنبوا موسم الحج القتال وهذا ما حصل إلى أن وصلت التجهيزات العسكرية التي أرسلها أمير المؤمنين قرب مكة، فلما قضى يزيد بن شجرة ومن معه حجهم انسحبوا قبل أن تحدث مواجهة بينهم وبين القوة العسكرية التي أرسلها الإمام علي عليه السلام.[292] ولا يخفى أن هناك صفحات غير مدونة من حياة أبي سعيد الخدري ولعل كونها في غير اتجاه السلطة الرسمية جعلها تختفي، لكن يذكر من سيرته أنه تعرض للأذى[293]عندما هاجم الجيش الأموي في أيام يزيد بن معاوية، مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وأباحها، وقيل إنه فر منهم إلى غار جبل بينما أغار بعض الجند على منزله وسرقوا ما فيه. كما ينقل في أحواله أنه كان ممن اعترض على الحاكم الأموي مروان بن الحكم عندما غير الحكم الشرعي القاضي بأن خطبتي صلاة العيد هي بعد الصلاة، فقدمهما عليها. ولا نعرف السبب الذي جعل أبا سعيدٍ الخدري لا يشارك[294]في معركة كربلاء في صف الإمام الحسين عليه السلام، إلا أن يكون بعض الأسباب العامة التي ذكرناها في كتاب سيرة الإمام الحسين عليه السلام.[295] ولكن الإمام الحسين عليه السلام قد أحال عليه[296]وعلى آخرين في إحدى خطبه في يوم عاشوراء، حينما قال: " أوَ لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله قال لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة فإن صدقتموني بما أقول

--> 292 ) تفصيل الحوادث يمكن الاطلاع عليه في كتاب الغارات: إبراهيم بن محمد الثقفي ٢ / ٥١٠ 293 ) تاريخ دمشق ٢٠/‏٣٩٥: " عن أَبِي سعيد الخُدرِيّ قال: لزمت بَيتِي ليالي الحَرَّةَ فلم أخرج، فدخل عَلَيَّ نَفَرٌ من أهل الشام فقالوا: أيها الشيخ! أَخرِج ما عندك. فقلت: والله ما عندي مالٌ. قال: فَنَتَفُوا لِحيَتِي وضَرَبُوني ضَرباتٍ ثم عمدوا إلى بيتي فجعلوا يَنقلُون مَا خَفّ لهم مِنَ المَتَاع حتى إنهم يَعمدون إلى الوِسَادة والفراش فينفضون صُوفَهُما ويأخذون الظَّرفَ، حتى لقد رأيتُ بَعضَهم أخذ زَوجَ حمامٍ كان في البيت ثم خرجوا به. 294 ) وإن كان هذا لا يخل بالضرورة بوثاقة الشخص وعدالته كما ذكر العلامة المامقاني في مقدمات كتاب تنقيح المقال 2/ 309بقوله: إنّه إذا ثبت حسن حال الرجل أو عدالته وثقته لم يمكن المناقشة في ذلك بحياته في زمان وقعة الطف، وتركه الحضور لنصرة سيّد المظلومين عليه السلام؛ ضرورة أنّ عدم الحضور فعل مجمل لا يحمل على الفاسد إلّا إذا أحرز فيه جهة الفساد.. 295 ) آل سيف؛ فوزي: أنا الحسين بن علي 296 ) نعم تفرد ابن سعد البغدادي في الطبقات (ترجمة الإمام الحسين من طبقات ابن سعد / ٥٧) بخبر عن أن أبا سعيد عارض الحسين في خروجه فقال: وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقد قلت له: اتق الله في نفسك! والزم بيتك، فلا تخرج على إمامك!.. وقد رد غير واحد من المحققين هذا الخبر ولم يقبلوه.. فقال المحشي على تنقيح المقال 30/ 223:" لا ينبغي الاهتمام بما ذكره ابن سعد لتفرده بذلك، ولمضادّة ذلك لسيرة حياة المترجم، كما وقد تفرّد بكثير ممّا ذكره في الرسالة".