فوزي آل سيف
90
من قصة الديانات والرسل
وبحسب اتفاقهم- كما تروي المصادر المسيحية - نهض رجلٌ وبيده عملةٌ من ذهب قد طُبعَ عليها اسم الحاكم الروماني بحسب المتبّع في العملات، وسأل الرجلُ النبيَّ عيسى ما إذا كان يسوغُ له الامتناع عن دفع تلك العملة كضريبةٍ للسلطة الرومانية أم لا. ومن الواضح أنّ هذا فخ قد نصبوه له، فإن إجابة المسيح عيسى بالامتناع عن الدفع؛ تُظهر للحاكم الروماني صوابية مناوئيه وأعدائه من أنّه يحرّض الناس على عصيان الرومان. ومن جهة أخرى فإن إجابته بجواز دفع الضرائب للرومان؛ ينزع عنه المصداقية عند المعتقدين به والمتابعين له؛ إذ كيف يأمرهم بشيءٍ خارجٍ عن الدين. هنا كانت إجابته عليه السلام: "أعطِ ما لقيصرَ لقيصر َ، وأعطِ ما لله لله "[285]أي أعطِ قيصرَ المالَ الذي يستحقه ويملكه بالفعل، وعدا ذلك لا تعطه، وأما ما هو لله تعالى ومن حقوقه فلا ينبغي أداؤه إلا إلى الخالق.. بالطبع ينبغي البحث في موضع آخر؛ عمّاذا يملك قيصر والحاكم وما هي حقوقه؟ استمرّ تحريض الصدوقيين على النبي عيسى بن مريم عليه السلام؛ فارتأتْ الدولة الرومانية التخلّص منه. حضر الجنود الرومان إلى مجلس درس عيسى بن مريم، وساعدهم في تمييزه والقبض عليه "يهوذا الاسخريوطي"[286]وهو رجلٌ اندسّ بين أتباع عيسى لمصلحة مناوئيه مقابلِ حِفنةٍ من المال. بحسب الفكر والعقيدة المسيحية قُيّد المسيح، وكُلّف بحمل الصليب والذهاب به إلى مكان الصلب (من العقوبات في ذلك الوقت أن الذي يُحكم عليه بالصلب هو الذي يحمل الصليب من مكانه إلى حيث يُنصبُ الصليب) ومن ثمّ صُلب. ويعتقد المسيحيون أنه تم دفنه ولكنه قام بعد ثلاثة أيام من بين الموتى ويسمون هذا التاريخ بعيد القيام. أما نحن المسلمون فنعتقد بأنّ الله تعالى رفع عيسى عليه السلام إلى السماء. أمّا مَن تمّ صلبه هو ذات الرجل الواشي بعيسى والدالّ عليه "يهوذا الاسخريوطي"؛ حيث جعله الله صورةً طبق الأصل من وجه عيسى بن مريم؛ ليناله النكالُ الذي كان قد ارتضاه لعيسى. وقيل إن الذي ألقي عليه شبه عيسى شخص آخر! قال تعالى:(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً).[287]
--> 285 من يتأمل هذه المقولة ـ إن صح صدورها عن المسيح بن مريم ـ يلاحظ أنه استعمل الحكمة التامة والتقية في الخروج من الفخ الذي نصب له وفي نفس الوقت لم يخالف معتقداته وأصوله الإيمانية، وبذلك يكون من السابقين إلى استعمال التقية كحال سائر الانبياء والأوصياء، ويستفاد منها أيضًا بأن ما (طار) به بعض المفكرين من أنه تدل على لزوم الفصل بين الدين والدولة وما بنوا عليه من أسس وبناءات لا تصح مع ملاحظة ظروف قول الكلمة وأجوائها واستهدافاتها. 286 الشيرازي؛ الشيخ ناصر مكارم: الأمثل 2/514 وكذلك إنجيل مرقص 3/ 19 287 النساء: 157