فوزي آل سيف

84

من قصة الديانات والرسل

وكذلك ما يرتبط بموقف اليهود من طهارة السيدة مريم العذراء والدة المسيح عليهما السلام، فإن موقفهم كان سلبيًّا في زمانها[261]وبعد زمانها[262]ولعل هذا راجع لموقفهم من ابنها المسيح وتكذيبهم إياه. وبعكس ذلك يأتي القرآن فيزكي هذه السيدة العظيمة وينزلها المقام الكبير الذي أنزلها الله إياه، فيؤكد على طهارتها وعلى اصطفاء الله لها (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).[263] 4/ رفض عنصرية اليهود وإدعاء كونهم شعب الله المختار!! فإن القرآن الكريم عرض لها وبين أسبابها وذكر لها علاجًا دقيقًا، ففيما زعم اليهود أن الرب المعبود لما خلق بني إسرائيل اختصهم برعايته وعقد بينه وبينهم عهدًا وحلفًا خاصًّا على أن يحميهم ويرعاهم دون غيرهم من سائر البشر. وأنهم يعبدونه لأجل ذلك، فهم بالتالي (أبناء الله وأحباؤه) و(شعبه المختار) وما داموا كذلك فلن (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى)، بل حتى العاصي منهم لو عوقب فإنه لا يلبث إلا أياما معدودة في العقاب (قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).[264] ولأنهم أبناء الله وأحباؤه، فأموال غيرهم وأعراض الآخرين حلال عليهم! وليسوا مؤاخذين لو انتهكوها (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وقد تجلت أسوأ صور العنصرية واستباحة الآخرين في الكتابات المتأخرة عن التوراة ـ وإن كانت لم تخل منها ـ لا سيما الشروح عليها وأسوأها التلمود. يرفض القرآن الكريم هذا المنطق تمامًا، ويرد على إدعاءاتهم واحدا بعد واحد، ففي مقابل فكرة العهد التي تتحكم بالمجتمع اليهودي ينفي ذلك ويصرح بأن هذا الكلام هو من القول بغير علم، ويترتب عليه أن ما بني على هذا الأصل غير صحيح فلا تتصوروا أن النار لن تمسكم أو أنها ستمسكم أياما معدودة، وإنما الصحيح أن من يكتسب السيئات ثم لا يتوب عنها فإنه من أصحاب النار كائنا من كان! (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).[265] ويناقش قولهم بأنهم أبناء الله وأحباؤه بما يهدم الأساس والبناء، فقد أخذ مسألة عذابهم بذنوبهم كأصل مسلَّم ولو كانوا كذلك لما عذبهم، ويؤكد لهم أنهم كسائر البشر يجزيهم خيرا بالخير وعقوبة بالشر (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ). وفي هذا رد على غير اليهود الذين وإن لم يصرحوا بنفس مقالة اليهود لكنهم يتعاملون في حياتهم بنفس الطريقة، من أخذ مال الغير أو سلوك سبيل الشر والمعصية ثم يتصورون أنهم ما داموا مسلمين فهم ناجون، أو ما داموا موالين لأهل البيت فإن النار لن تصيبهم.. الكل يخاطبهم بالقول: إن مقتضى القانون الأولي في العاصي هو أن يجازى بعصيانه! 5/ كذلك فإن القرآن الكريم وهو يأمر بحسن المعاملة مع الصالحين منهم لا ينسى أن يذكر تلك الفئة المعاندة والظالمة والمتآمرة على دين الإسلام ورسوله، فيوضح بعض مؤامراتهم ضد

--> 261 (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ( 262 ) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) النساء: 156- 157 263 آل عمران: 43 264 آل عمران: 24 265 البقرة: 81