فوزي آل سيف

66

من قصة الديانات والرسل

قد أزهقت في تلك الفترة على أثر العمل الشاق في الشمس المحرقة، مع قلة الطعام والتسخير بالقوة! إن الطواغيت هنا لا يعتبرون العاملين بشرًا أصحاب أرواحٍ وعواطفَ وتطلعاتٍ وإنما يعتبرونهم أرقامًا، ويحسبون حسابهم بمقدار ما ينتجون ويؤدون لهم من عمل! ولا يهم بعد ذلك ما الذي حصل لأولئك المجبورين على العمل! حتى الحفاظ على حياتهم ليس لأن لحياتهم قيمة ذاتية وإنما لأجل أن موتهم يعني خسارة مالٍ كان يفترض أن يجلبه هذا العامل أو العبد بجهده فلا يتأسفون لأن روحًا إنسانية قد انتهت وإنما لأن ربحًا ماديًّا قد انقطع عنهم! كان من يستطيع منهم العمل لا بد أن يعمل لأوقات طويلة وبقوت بطنه! ومن لا يستطيع العمل فالنيل ينتظره ليغرق فيه! أو الذبح سبيل آخر. النيل مركب نجاة لموسى عليه السلام: في هذه البيئة ولد النبي موسى عليه السلام بصورة سرية خفية، وحيث كان القانون العام أن الطفل المنتمي لقبائل بني اسرائيل لا بد أن يقتل، فلكي لا يواجه موسى نفس هذا المصير، جعلته أمه في مهد ووضعته في النهر وسلمته إلى الله تعالى. سبحان الله! أسباب الموت إذا أراد الله عز وجل هي نفسها تصبح وسائل الحياة وعوامل استمرارها ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الأمور كلها بيده وأن لا حول ولا قوة إلا به.. وضعت أم موسى طفلها في مهدٍ وسط النيل، وتقتضي هذه الصورة ضمن المقاييس الاعتيادية أن يغرق الطفل وسط الماء ويموت، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل هذا النهر له وسيلة نجاة، ووصل الطفل من بني اسرائيل إلى يدي فرعون وهو الذي كان يطارد الأطفال في بيوتهم ليقتلهم جلاوزته، وهذا الطفل وصل إلى يديه، وأراد الله سبحانه ولا راد لإرادته أن يبقى نبيه فإذا بالنيل يحتضن مهد موسى عليه السلام كما تحضن الأم الرؤوم طفلها حفاظا عليه وحماية له! وإذا بقصر فرعون يصبح الملاذ الآمن لتربيته والحامي له عن بطش الجلاوزة! وما أجمل آيات القرآن وهي تنقل صور العذاب الفرعوني وصور النعمة الربانية (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).[199] وهكذا ألقى الله سبحانه وتعالى محبة موسى في قلب امرأة فرعون ليكون قرة عين لها و(لفرعون!) فتربى داخل قصر فرعون، إلى أن نمى وكبر وصار شابًّا يافعًا. موسى وأحوال الإسرائيليين زمان فرعون: لم يغب عن نظر موسى عليه السلام حالة القبيلة الاسرائيلية (بل القبائل) وهي تعيش أسوأ دركات الاضطهاد والظلم، ومن الطبيعي أن يستثيره مشاهد السخرة والعمل المجهد تحت السياط وصور الظلم الصريح ولم يكن لهم ذنب إلا أنهم على منهاج آبائهم التوحيدي.

--> 199 القصص: 3- 7