فوزي آل سيف
63
من قصة الديانات والرسل
فإن في هذه الآيات الكريمات، ما هو موجود في صحف إبراهيم وموسى من مبادئ: 1/ أن الإنسان هو الذي يتحمل بنفسه مسؤولية أعماله دنيًا وأخرى وأن غيره لا يحمل وزره عنه، ففي الدنيا لا تصح عقوبة غير الجاني والمجرم. كما يفعل بعض الخاطئين من أنهم يأخذون ابنه رهينة أو زوجته سجينة حتى يرجع! فإن هذا مخالف لقوانين كل الديانات، ولما جاء في صحفها وكتبها بدءًا من صحف إبراهيم وانتهاءً بالقرآن الكريم أنه لا يكون وزرٌ إلا على الذي جنى، و(أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).[190] 2/ أنه ليس للإنسان إلا ما سعى؛ سواء في الدنيا أو الآخرة وأن منزلته مرتبطة بعمله لا بتمنياته وإدعاءاته، ولا بالعناوين التي يصطنعها لنفسه، فإذا كان سعيه للآخرة وعمله لأجلها (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)[191]وأما من كان يعتمد على أنه مسلمٌ أو موالٍ لأهل البيت بمجرد الإدعاء والعنوان من دون تصديق ذلك بالعمل والسعي فقد خاطب القرآن أمثالهم (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)،[192]والغريب أن صيغة الآية في صورة النفي والسلب الكلي (ليس / إلا) وهذا القانون شامل للجميع فقد جاء في صحف إبراهيم أولًا ثم موسى وأخيرًا في القرآن الكريم.. و(وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) من قبل نفسه ومن الناس ومن الملائكة وأهل الحساب، وسوف ينتج نتيجته إن كان خيرًا فسيلقى ذلك الخير، وإن كان شرًا فكذلك النتيجة! ولذلك ما يدور على ألسنة البعض من قولهم (تفعل خيرًا تلقى شرًّا) هذا كلام باطل ولا حقيقة له، بل تؤكد التعاليم الدينية والتجربة الخارجية الواقعية أن من يعمل الخير يلق مثله (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)[193]وأنه (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ).[194] وإذا كانت نتيجة الأعمال الخيرة هي الخير، لكنها في الدنيا بحجم مقدماتها، فإن من يزرع بذرة ينتج شجرة، هذه المقدمة تنتهي إلى هذه النتيجة، لكن الأمر في الآخرة مختلف فإنه هناك يجزى ولكن ليس أي جزاءٍ، وليس الجزاء الوافي بل الأوفى! (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). 3/ إن مقياس النجاح والفلاح الحقيقي في الحياة هو العطاء الاجتماعي، وكون الإنسان في عبادة خالقه، على أثر تذكره الدائم ومعرفة حقيقته، غير أن قسما من الناس تغرهم الدنيا فيقدمونها على آخرتهم، ولو انتبهوا إلى أن الحياة الحقيقية دوامًا وسرورًا هي في الآخرة لغيروا اتجاههم، وهذا المعنى ليس ابتكارا جديدا بل هو بصيرة ورؤية نافذة بلغها أنبياء الله وفي طليعتهم إبراهيم النبي في صحفه، وفي سائر الصحف الأخرى التي تلته كصحف موسى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إبراهيم وَمُوسَى).
--> 190 الوزر يعني الذنب، ووازرة يعني النفس المرتكبة للذنب، أي كل نفس إنما تتحمل وزرها وذنبها ولا تتحمل ذنب غيرها. هذا بالطبع بالعنوان الأولي، لكن قد تحصل معادلة أخرى وبعنوان آخر فيكون إنسان أو جماعة يحملون بالإضافة إلى أوزارهم وذنوبهم أوزارًا وذنوبًا إضافية لإضلالهم غيرهم كما قال الله تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) النحل:25 وهذا لا يتنافى مع المعنى الأول. 191 الإسراء: 19 192 النساء: 123 193 التوبة: 105 194 الزلزلة: 7- 8