فوزي آل سيف
38
من قصة الديانات والرسل
من دون حاجة لأن تتعذب البشرية في التجربة وتكرارها وتقديم التضحيات للوصول إلى النتائج السليمة، وإلى اعطاء ضمانات قدر الإمكان لتطبيق القانون ما لا تملك القوانين البشرية سوى بعضه. الحاجة النفسية والروحية: ليس الإنسان حاسوبًا، ولا صخرة. هو كائن ذو مشاعر وعواطف وقلب ووجدان، تعرض عليه الأزمات، ويرى نفسه قريبًا من الهلاك حيث تنقطع به السبل (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)[113]، وتضيق به الدنيا بما رحبت، إذا تتبعه ظالم فيحتاج إلى ركن وثيق. ويتأثر لحال من يهمه أمره من والد حنون أو أم رؤوم قد انقطع عنه أو عنها الأمل فيرفع عينه الدامعة إلى ربه طالبا منه المدد والعون حيث يئس من غيره. وتصيبه الأمراض لا سيما المستعصي منها، فيجد نفسه صغيرا ضئيلا لا يستطيع لنفسه شيئا أمام فيروس لا يرى ما لم يلجأ إلى قوة الله العظيمة.. إن ظمأ الروح لدى الإنسان لا يرويه غير الإيمان بربه،[114]وإن ضعفه في مواجهة الكثير من مشاكل الحياة لا يقويه إلا قدرة الله سبحانه. وقد يكابر هذا العبد لبعض الوقت لكنه لا يستطيع ذلك في كل الوقت! في ضعفه يتطلع إلى قوة الله وقدرته وعونه! وفي فقره يرجو مدد الله وعطاءه.. وفي مرضه حين يهزمه أضأل مخلوقات الله يتوجه إلى تلك القوة العظيمة الرحيمة. لو لم يكابر هذا الخلق الضعيف لضرع إلى الله قائلا "أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي المَذاهِبُ فِي سَعَتِها، وَتَضِيقُ بِيَ الأَرْضُ بِرُحْبِها، وَلَوْلا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الهالِكِينَ. وَأَنْت مقيلُ عَثْرَتِي، وَلَوْلا سَتْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنْ المَفْضُوحِينَ، وَأَنْتَ مُؤَيِّدِي بِالنَّصْرِ عَلى أَعْدائِي، وَلْولا نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ المَغْلُوبِينَ".[115] لو عرف نفسه ومقداره، وعرف ربه وعظمته لقال: "يا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ المَكارِهِ، وَيا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدآئدِ، وَيا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ المخْرَجُ إلى رَوْحِ الفَرَجِ؛ ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعابُ؛ وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الأسْبابُ؛ وَجَرى بِقُدْرَتِكَ القَضآءُ وَمَضَتْ عَلى إرادَتِكَ الأشْياءُ، فَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبإرادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ، أنْتَ المَدْعُوُّ لِلْمُهِمّاتِ".[116]
--> 113 يونس: 22 114 وما أجمل تعبير الإمام زين العابدين عليه السلام في مناجاة المفتقرين عن هذه الحقيقة عندما يقول:" إلهِي كَسْرِي لا يَجْبُرُهُ إلاَّ لُطْفُكَ وَحَنانُكَ، وَفَقْرِي لا يُغْنِيهِ إلاَّ عَطْفُكَ وَإحْسانُكَ، وَرَوْعَتِي لا يُسَكِّنُهَا إلاَّ أَمانُكَ، وَذِلَّتِي لا يُعِزُّها إلاَّ سُلْطانُكَ، وَأُمْنِيَّتِي لا يُبَلِّغُنِيها إلاَّ فَضْلُكَ، وَخَلَّتِي لا يَسُدُّها إلاَّ طَوْلُكَ، وَحاجَتِي لا يَقْضِيها غَيْرُكَ، وَكَرْبِي لاَ يُفَرِّجُهُ سِوى رَحْمَتِكَ، وَضُرِّي لا يَكْشِفُهُ غَيْرُ رَأْفَتِكَ، وَغُلَّتِي لا يُبَرِّدُها إلاَّ وَصْلُكَ، وَلَوْعَتِي لا يُطْفِيها إلاَّ لِقآؤُكَ، وَشَوْقِي إلَيْكَ لا يَبُلُّهُ إلاَّ النَّظَرُ إلى وَجْهِكَ، وَقَرارِي لا يَقِرُّ دُونَ دُنُوِّي مِنْكَ، وَلَهْفَتِي لاَ يَرُدُّها إلاَّ رَوْحُكَ، وَسُقْمِي لا يَشْفِيهِ إلاَّ طِبُّكَ، وَغَمِّي لا يُزِيلُهُ إلاَّ قُرْبُكَ، وَجُرْحِي لا يُبْرِئُهُ إلاَّ صَفْحُكَ، وَرَيْنُ قَلْبِي لا يَجْلُوهُ إلاَّ عَفْوُكَ، وَوَسْواسُ صَدْرِي لا يُزِيحُهُ إلاَّ أَمْرُكَ.. 115 القمي، الشيخ عباس: مفاتيح الجنان 1 /349 دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة 116 المصدر السابق 174