فوزي آل سيف
36
من قصة الديانات والرسل
الدين هو الجهة الوحيدة التي تعرّف الإنسان من أين جاء، لماذا جاء، كيف جاء؟ إلى أين يمضي؟ ماذا سيحصل له فيما بعد؟ وكل جهة أو نظرية غير الدين تتعثّر في الإجابة على كل الأسئلة أو على معظمها؟ ولا تملك جوابا تقدمه للإنسان. والمشكلة أن هذه الأسئلة أساسية، تلاحق الإنسان في كل مرحلة حياتية وتقف له على كل منعطف، وإجابتها هي التي ترسم له برنامج حياته فليست أمرًا ترَفيًّا أو عبثيًّا! وتلك الاجابة هي ما يبلغه المرسلون عن ربهم الحكيم، وقد لخصها أمير المؤمنين علي عليه السلام فيما نسب إليه من قوله "رحم الله امرءًا عرف من أين وفي أين وإلى أين".[107] الحاجة الثانية: الحاجة التشريعية والقانونية: الإنسان كائنٌ اجتماعيّ يستطيع العيش مع غيره بل لا يستطيع العيش المريح بغير ذلك، ولمّا كان كذلك فإن من الطبيعي أن يحصل تنافس على المنافع بين هؤلاء البشر، فكما تريد هذه الأرض الخصبة أريدها أنا، وكما تحب امتلاك الماء الوفير أريد أنا النصيب الأكبر منه، وكما تطلب هذه المرأة الجميلة يطلبها غيرك.. فما هو الناظم الذي ينظم العلاقة بيننا ويشرّع القوانين التي تجعل هذا الإنسان يعيش حياته الاجتماعية مع غيره بسلام؟ المخالفون للحاجة إلى الدين يقدمون جوابًا، والمؤمنون يقدمون آخر. أما جواب المخالفين للحاجة للدين فإنهم يقولون: إن العقلاء في المجتمع ومن خلال التجارب ودراستها بشكل علمي، قد توصلوا إلى دساتير وقوانين مناسبة لمجتمعاتهم، فوضعوا هذه الدساتير والقوانين ونظموا بها حياتهم في مختلف المجالات. فلا حاجة إذن لتدخل الدين في هذه الجوانب! ونحن نجد أن حياة الغرب القانونية وما يترتب عليها من نظام يتيح وصول الإنسان لحقه، ما لا يبقي حاجة للدين ليقنن وينظم. بينما يجيب المؤمنون على السؤال السابق عن ناظم الحياة الاجتماعية ومن يفك النزاعات بين الناس بالأمور التالية: 1/ إن آخر ما وصل إليه الإنسان في الغرب والشرق من نتاج قانوني، إنما كان بعد ما جرّب الإنسان مشوارًا طويلًا من التجارب كلفت البشرية الكثير من الجهود والدماء والأموال، فعندما جربوا الفوضى خلال فترات زمنية مختلفة، انتهى العقلاء في هذا المجتمع البشري إلى أنّ النظام هو الذي يصون المصالح فتركوا الفوضى لصالح النظام. جربوا التظالم فما بينهم والاستئثار فرأوا أنّ ثمنه باهظًا فانتهوا إلى أن العدالة هي التي تصون الحقوق فقرّروا العدالة كقانون.. وهكذا. حسناً، هذا الذي انتهى إليه المجتمع البشري بعد تجارب وبعد محاولات وبعد تضحيات وبعد مرور السنوات الطويلة قالته الأديان السماوية من اليوم الأول ومن دون ضحايا وأزمات، قالت: "الله الله في نظم أمركم"، وقالت: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ"، إن آخر ما وصل اليه عقلاء البشر هو أول ما جاء به الأنبياء والأديان.
--> 107 أرسل هذا القول الكثير من المؤلفين والكتاب ارسال المسلمات في نسبته إلى الامام علي عليه السلام، ولم نجده بشكل صريح في أحد المصادر الحديثية الأساسية، نعم نقله الفيض الكاشاني في الوافي 1/ 116 في شرح حديث عن الامام جعفر الصادق عليه السلام فقال: "على طبق ما روي عن أمير المؤمنين ع حيث قال رحم اللَّه امرءً أعد لنفسه واستعد لرمسه وعلم من أين وفي أين وإلى أين" وكذلك استاذه الملا صدرا الشيرازي في الأسفار.