فوزي آل سيف
29
من قصة الديانات والرسل
ثانيًا: إنّنا نعتقد أنّه إذا وُجد بشر في تلك المناطق، وفي أيّ مرحلة تاريخيَّة من المراحل، فإنَّ القاعدةَ تقتضي أن يبعث اللهُ رسولاً على تلك المناطق، أو من يبعثه الرسول، وهذا راجع إلى ما تقرر في علم الكلام من أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق البشر عبثا ولا تركهم سدى وإنما خلقهم لعبادته، ولذا لا بد أن يقيم عليهم الحجة بالإضافة إلى دلالة العقل ببعث الرسل أو أوصيائهم، وإلا كان خلقهم عبثا وبلا هدف، وهو أمر يتعالى عنه الخالق الحكيم ويتقدس. إن ما يقرره القرآن الكريم أنه (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) وأنه (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، وتقرير أنه لا توجد أمة من الأمم إلا ولها رسول يبشر وينذر (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ). وبالطبع لو لم يبعث الله الرّسل أو أوصياءهم لانخرمت قاعدة: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) والحالُ أنَّه تعالى هو صاحب الحجة (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) هذا كله يقتضي أنه ما دام يوجد بشر قابل للتكليف، فلابدّ أن يكون قد أرسل إليهم رسله، نعم، نحن لا نعلم عن ذلك! وهل هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نعلمه؟ إن ما نجهله هو أضعاف ما نعلمه بآلاف المرات! إننا لا نعلم من الرسل سواء كانوا مائة وأربعة وعشرين ألفا أو عشر هذا العدد، إلا من قصهم القرآن أو الكتب السماوية الأخرى علينا أو جاءت بأخبارهم السنة عن المعصومين، وإلا لولا هذا وذاك لكنا نجهل حتى هذا المقدار البسيط من أسمائهم وحياتهم وشرائعهم! وبالإضافة إلى القاعدة الدينية المؤسسة في علم الكلام قد تشير إليه أيضًا التجربة التاريخية، فإنَّ المسيح عيسى بن مريم كان في فلسطين، ولكن مع ذلك بَعَثَ إلى أنطاكيا مبعوثَين من قبله، مع بعد المسافة والفاصلة بين فلسطين وتركيا مع ذلك (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ). وفي حياة سيد الرسل المصطفى محمد صلى الله عليه وآله ما يشير إلى ذلك حيث بعث برسائله ودعوته إلى من كان موجودا في زمانه من الأمم والشعوب، فبعث رسله ورسائله إلى كسرى فارس وإلى قيصر الروم وإلى مقوقس الاسكندرية في مصر وإلى نجاشي الحبشة قبلهم بواسطة ابن عمه جعفر بن أبي طالب. وهذه هي المجتمعات الكبرى التي كانت سائدة في ذلك الزمان. هل كان أرسطو نبيا؟ يعتقد بعض فلاسفة العصر بأن الفلاسفة المعروفين في تاريخ البشر أمثال أرسطو[89]وأفلاطون كانوا موحدين، بل يرون أن الحكمة والفلسفة التي كانت لديهم، تتصل بمنابع التوحيد من خلال أنبياء أو أوصياء عاصروهم في زمانهم أو استفادوا منهم قبله! فإن الملا صدرا[90] يعتبره من ضمن الخمسة اليونانيين الأكابر، ويذكر هذا الأمر بهذا الشكل: "أرسطاطاليس قدس الله نفسه، وأشركنا الله في صالح دعائه وبركته، ولقد أشرقت أنوار الحكمة في العالم بسببه، وانتشرت العلوم في القلوب لسعيه وكأنه مقتبس نور الحكمة من مشكاة النبوّة".
--> 89 أَرِسْطُوطَالِيس (توفي 322 ق.م) فيلسوف يوناني، تلميذ أفلاطون وأستاذ الاسكندر المقدوني، تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء والميتافيزيقيا والشعر والمسرح والموسيقى والمنطق والبلاغة واللغويات والسياسة والحكومة والأخلاقيات وعلم الأحياء وعلم الحيوان.وهو واحد من أهم مؤسسي الفلسفة الغربية. وأفلاطون (توفي 347 ق.م) فيلسوف يوناني كلاسيكي، رياضياتي، تلميذ سقراط ومعلم أرسطو، كاتب لعدد من الحوارات الفلسفية، ويعتبر مؤسس لأكاديمية أثينا التي هي أول معهد للتعليم العالي في العالم الغربي. وضع أفلاطون الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم.، كان تلميذاً لسقراط، وتأثر بأفكاره كما تأثر بإعدامه الظالم. 90 الملا صدرا: محمد بن إبراهيم بن يحيى القوامي الشيرازي توفي سنة 1059 هـ فيلسوف إمامي، ودرس في اصفهان على يد: الشيخ البهائي، والميرداماد، له حوالي 40 كتابا منها وأهمها " الاسفار الأربعة في الحكمة المتعالية " و" تفسير سورة الواقعة " و" الشواهد الربوبية " وغيرها، اشتهر بنظريته التي حاول فيها الجمع بين البرهان والقرآن والعرفان، وسماها بالحكمة المتعالية. بل وواجه معارضة واسعة من الفقهاء اضطر على أثرها أن يعتزل خارج قم في منطقة ويتفرغ للكتابة والتأليف. والعلماء بالنسبة له بين مبالغ في المدح ومبالغ في الذم..