فوزي آل سيف
20
من قصة الديانات والرسل
عند الحديث عن بداية الخليقة، ومنشأ البشر بالنظرة الدينية فمن الطبيعي أن يكون البدء ببدء الأسرة الإنسانيَّة الأولى التي ننتمي إليها، وطليعتُها أبو البشر النبي آدمُ عليه السلام. وسيلفت اهتمامنا ملاحظتان في هذه الآية المباركة من سورة البقرة: الأولى: أنّنا نجد أنّ بداية الخِلقة كانت النبوة الالهية، وأن بداية البشر كانت بعد نبي من الأنبياء. إن ذلك يأتي مُنسجماً مع القواعد العَقَدِيَّة المؤسَّسة لدى الامامية الإثني عشرية من أنَّ الأرضَ لا تخلو من حُجَّةٍ، من نبي أو إمام وأنه لابُدَّ أنْ يكونَ لله حُجَّةٌ على البَشَر في كل الأدوار، ولا يمكن أن تكون الأرضُ خاليةً من الحُجَّة، إمّا رسولٌ برسالة مستَأنَفَة أو وَصِيٌّ لذلك الرَّسول. ولو فرضنا أنَّ اللهَ بدأ بخلق البشر ثمّ بعث إليهم النَّبي فإنَّ هذه القاعدةَ تَنْخَرِمُ، ولو لبعض الوقت. لذلك نعتقد أنّ الله (سبحانه وتعالى) خلقَ آدم النبيَّ الرَّسول أوَّلاً ثمَّ تناسلت منه ذرّيته حتى يكون أبناؤه البشر عليهم حُجّةٌ من قبل الله (عزّ وجل). وهو ما يعبر عنه بعضهم بأن الخليفة قبل الخليقة! تشير الآية الكريمة لهذا المعنى بوضوح، حيث أن الله أخبر الملائكة أنه سيجعل في هذه الأرض خليفة، وكان ذلك سببا للتساؤل لما ظنه الملائكة من أن ذلك الخلق سيقتضي وجوده أن يحصل الفساد في الأرض (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا). الثانية: أنّ القرآن الكريم يجعل الأنبياء محورَ التاريخ، ولذلك كانت قَصَص القرآن الكريم تدور حولَ الأنبياء وحركتهم ودعوتهم لله عز وجل، ومواقف مجتمعاتهم تجاههم. وما يتصل بهم من أمر يأتي به القرآن الكريم، وكأنّ القرآن يريد أن يقول: خلاصة التاريخ المُفيد هو قَصَص الأنبياء وتجاربهم وأحوالهم في أُمَمهم، وإلاّ فإن ما مرَّ في تاريخ الإنسان من ملوك جبابرة، قادوا العساكر وخاضوا الحروب، وما تخلله من رجال المال وأرباب الثراء، وما حصل فيه من الأحداث العظيمة.. كثير جداً، ولكنّ القرآن الكريم لا يتكلّم عن ذلك، حتى بسطرٍ واحد. نعم لو كان بعض أولئك أو تلك الأحداث ترتبط بالنُّبُوَّات بنحو من الأنحاء فإنه يسجلها ويذكرها من تلك الزاوية المرتبطة بالأنبياء؛ فالقرآن يتكلَّم عن فرعون ولكن من حيث علاقته بموسى، تكلّم عن نمرود من حيث علاقته بإبراهيم، وإلاّ فإن الطاغية المزامن للمسيح عيسى بن مريم (هيرودس) لا تسمع ذكراً له ولا ترى لتاريخه أثراً في القرآن الكريم. وفيما يرتبط بالأنبياء والمرسلين تراه يتابع قضاياهم وفي بعض الأحيان ـ ولحكمة معينة ـ منذ ما قبل الولادة إلى آخر ساعات حياتهم. فضلا عن تفاصيل دعوتهم وكراماتهم على الله.. تاريخ البشر بين رأي الديانات والعلم الحديث الآية المباركة تتحدّث عن أنّ الله (سبحانه وتعالى) قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وبُدئ التاريخ الإنسانيّ الذي ننتمي إليه بخلق آدم. خلقُ آدم بحسب التاريخ اليهودي والنصراني وفي التراث الإسلامي لا يزيدُ بُعْدُهُ عنَّا عن عشرة آلاف سنة. هذه المدة من الزَّمان تقريبًا هي التي تفصل بيننا وبين أبينا آدم عليه السلام، هذا بحسب التوراة، وبحسب الإنجيل، وبحسب الموجود في تراث المسلمين[62].
--> 62 في لوحة أشرف على إعدادها المحقق السيد سامي البدري ـ معاصرـ بعنوان نقل فيها عن سِفر اخنوخ (النبي ادريس سابع الأنبياء بدءا من آدم) نبوءته لتاريخ البشر، وفيها يستفاد أن هناك عشرة أسابيع للعالم والإنسان، كان الأسبوع الأول منها ما بدء بخلق آدم وفيه تم تأريخ ذلك بأنه 10000 (عشرة آلاف سنة قبل ميلاد المسيح) وبناء عليه يكون تاريخ وجود آدم أبي البشر قبل اثني عشر (12000) ألف سنة. ولم يتضح لي هل أن السيد البدري قد أخذ ذلك الرقم من سفر اخنوخ أو من استنتاج آخر.