فوزي آل سيف
150
من قصة الديانات والرسل
وهذه الرواية أوضح دلالة وأكثر استقامة في مضمونها من السابقة، حيث شرحت عدم ترجل يوسف لأبيه أولًا، ونتيجة ذلك أن جبرئيل جاءه وأخبره بسبب خروج النور من يده.. لكنها من الناحية السندية غير تامة لأنها مرفوعة إلى الإمام الصادق عليه السلام، ولا ينفع القول هنا بأن الذي روى عنهم يعقوب بن يزيد وهو ثقة فلا يعقل أن يروي عن جماعة ويكونون كلهم غير ثقات! فإنه يقال إن المشكلة ليست هنا فقط وإنما بعد هؤلاء حيث رفعوا الرواية للإمام عليه السلام يعني أن هناك واسطة بينهم وبين الإمام عليه السلام غير معلومة! وكذلك حال الرواية التي نقلها في الأمالي بعنوان وروي في خبر عن الصادق، فيرد عليها نفس الاشكال. بل يظهر أنها نفس الرواية وليست رواية أخرى! 3/ والثالثة: الرواية التي نقلها الشيخ العطاردي في مسند الإمام الصادق: عنه حدثنا محمد بن علي ماجيلويه عن محمد بن يحيى العطار عن الحسين بن الحسن بن أبان عن محمد بن أورمة عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لما أقبل يعقوب إلى مصر خرج يوسف (عليه السلام) ليستقبله فلما رآه يوسف هم بأن يترجل ليعقوب ثم نظر إلى ما هو فيه من الملك فلم يفعل فلما سلم على يعقوب نزل عليه جبرئيل.[391] وهي نفس رواية الصدوق لكنها بسند آخر هو ما ذكر أعلاه؛ والاشكال السندي أيضا قائم فيها فإن الحسين بن الحسن لم يوثق كما ذكر ذلك الامام الخوئي في المعجم، وابن اورمة اتهم بالغلو ونفى ذلك في المعجم وانتهى إلى أن ما كان من رواياته ليس فيه تخليط أو غلو فلا مانع من العمل به والاعتماد عليه وماجيلويه لم يذكره بتوثيق في المعجم سوى القول إنه أكثر الصدوق الرواية عنه مترضيًّا عليه وهو على مسلكه لا يدل على التوثيق. ومن جاء بعدهم كصاحب مجمع البيان وغيره فإنما نقل عن التفسير وقد عرفت حال تلك الرواية عن يحيى بن أكثم، أو عن الصدوق في العلل أو الأمالي وهي رواية واحدة لا تسلم بأسانيدها المتعددة. فلم يبق دليل سالم عن الخدشة يمكن الاعتماد عليه لإثبات فكرة خروج النبوة من نسل يوسف لتكبره واستنكافه عن احترام أبيه أو الترجل له، على أنه يصعب تصديقه مع كل ذلك المدح الذي كاله له القرآن، ولا سيما في نهاية سورة يوسف من كلامه هو مبتهلا إلى الله شاكرا. بعد أن رفع أبويه على العرش! فعلى مستوى الاقتضاء، لا نجد دليلًا واضحًا على هذه الفكرة. وأما على مستوى المانع فإنه يوجد مانع يمنع من الأخذ بهذه الروايات ـ لو سلمت سندًا وهي غير سليمة ـ وهو أنه وجد من نسل يوسفَ نبيٌ مرسل! وهو يوشع بن نون! فإنه وإن كان المشهور أنه وصي موسى إلا أن النبوة لا تتنافى مع الوصاية، فقد كان شيث هبة الله وصي آدم وهو نبي أيضا بعده. وكان هارون وصيًا وخليفة لأخيه موسى ومع ذلك كان نبيًّا في زمانه! والعجيب أن الشيخ الصدوق هنا قد ذكر أنه خرجت النبوة من يده بينما هو في كتاب آخر (كمال الدين) يتحدث عن نبوة يوشع بن نون وهو من أحفاد النبي يوسف!! وقد صرح الشريف المرتضى من الامامية في كتابه الشافي بدعوى الاجماع بين المسلمين (وليس الامامية فقط) على نبوة يوشع بعد موسى النبي، ومن المعلوم عند الجميع أن يوشع هو من أحفاد النبي يوسف! وتفصيل ذلك ومصادره في الحديث عن يوشع بن نون قد تقدم في الصفحات السابقة. بل إن هناك قولًا بين المؤرخين بأن النبي اليسع هو أيضا من أحفاد يوشع بن نون، الذي هو من أحفاد يوسف وإذا تحقق هذا القول فإن الرقعة تتسع على أصحاب الفكرة السابقة.
--> 391 العطاردي، الشيخ عزيز الله: مسند أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام 2/239