فوزي آل سيف
127
من قصة الديانات والرسل
يختلف موقف فقهاء المسلمين ـ باختلاف مذاهبهم ـ من الصابئة تبعا لتحديد موضوعهم،[352]فالذين صنفوهم على أنهم قسم من المسيحيين، سيجعلونهم أهل كتاب ويطبقون عليهم أحكام أهل الكتاب أو يلحقونهم بهم. بينما أولئك الذين حددوهم باعتبارهم عُبَّادا للكواكب (نظرا لما ذكرنا آنفًا في عقائدهم) فسيصنفوهم على أنهم كفار إذ من يعبد الكواكب هو من الكفار. ويرتبون عليهم أحكام الكفار. ومن رأى أنهم أكثر من فرقة وقسم فقد أعطى لكل فرقة حكمها. وهناك من لم يتحقق له الموضوع كما ذكرنا لاختلاف فرقهم بحسب الزمان والمكان بل وتفسير الآراء، ولذلك فإن بعض الفقهاء جعل الأمر بنحو (إن ثبت أنهم كذا فالحكم كذا..). 1/ فمن الذين صرحوا بأنهم طائفة من النصارى أو أن حكمهم هو حكم أهل الكتاب: (في الطهارة وفي جواز النكاح منهم) المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي فإنه قال في رسالته العملية: في تعريف أهل الكتاب.. وهم اليهود والنصارى والمجوس بلا إشكال ولا خلاف، بل الصابئة أيضًا على الأظهر، لأنهم من أهل الكتاب على ما تدل عليه الآية الكريمة وهي قوله تعالى[353]: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).[354] وكذلك رأى المرجع الديني السيد علي الخامنئي بعد دراسة في حال الصابئة ومناقشة وجهات نظر الفقهاء، " ان الاقوى والاظهر بحسب الادلة ان الصابئين يعدون من اهل الكتاب"[355]. 2/ ومن الذين يستفاد منهم التفصيل بين الصابئة المندائيين فيعاملون معاملة أهل الكتاب، وبين الصابئة الحرانيين فلا يعاملون كذلك، ما قد يستفاد من بعض أجوبة المرجع الديني السيد علي السيستاني فقد قال في منهاج الصالحين: وأما الصابئة فلم يتحقق عندنا حقيقة دينهم، وقد يقال: إنهم على قسمين، فمنهم الصابئة الحرانيين وهم من الوثنية فلا يجوز نكاحهم، ومنهم الصابئة المندائيين وهم طائفة من النصارى فيلحقهم حكمهم، فإن ثبت ذلك كان الحكم ما ذكر، وإلا فالأحوط الترك مطلقا.[356] 3/ وثالث الأقوال؛ هو عدم تبين حال الصابئة الخارجي، وعدم اتضاح موضوعهم في الديانة وهو الذي ينتهي من الناحية النظرية إلى التوقف في الحكم عليهم بأي من النحوين ومن الناحية العملية إلى الاحتياط في التعامل الفقهي معهم؛ ويظهر من رأي المرجع الديني المرحوم السيد أبو الحسن الاصفهاني، ومثله حاشية المرجع الديني السيد روح الله الخميني فقد جاء في وسيلة
--> 352 قد يكون سبب ذلك الاختلاف أن فرقهم كثيرة، والتباين بين أفكارها ـ تارة بحسب مناطقها حيث عدد الفيومي صاحب كتاب تاريخ الفكر الديني الجاهلي / 277، أقساما متعددة من صابئة الهند والفرس والروم والنبط وأخرى بحسب أفكارها كما قال من أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص وأصحاب الروحانيات، وأصحاب الحلولية، وثالثة باعتبار آخر كما عنونه باسم صابئة الفلاسفة وصابئة الحنفاء وصابئة البطائح.. وغيرهم. ونقل ما ذكره السيد عبد الرازق الحسيني الأمر في كتابه: الصابئة قديما وحديثا ص٢١: من المتعذر جدا أن يوفق الباحث إلى معرفة ما بين هذه الفرق من الرابطة؛ فقد ذكر القرآن قسما من الصابئة وفسرها المفسرون بعد أن نسبوا لها أصولا تختلف كثيرا عن الصابئة الحرانية، كما أن هذين القسمين من الصابئة يختلفان كثيرا عن صابئة البطائح المبثوثين الآن في مدن العراق النهرية. والحق أن كل فرقة من هذه الفرق تختلف في أصول معتقداتها عن الأخرى اختلافا واسعا فقد سكن الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن بلاد العرب ومصر قبل الإسلام وقبل النصرانية واليهودية وقد انقرضوا وعفت أخبارهم، فأصبح من المتعذر علينا بيان معتقدهم بالتفصيل. 353 البقرة: 62 354 الخوئي ابو القاسم: منهاج الصالحين 1/391 355 الخامنئي؛ السيد علي: الصابئة: حكمهم الشرعي وحقيقتهم الدينية ص 40 356 السيستاني؛ السيد علي: منهاج الصالحين 3/ 68 وننبه هنا على خطئين مطبعيين في النص ؛ في الكلمتين : المندائيين والحرانيين ، فإن حقهما من الإعراب أن تكونا مرفوعتين ويكون النص هكذا فمنهم الصابئة الحرانيون ، ومنهم الصابئة المندائيون. وكذلك في ضبط كلمة المندائيون ، والتي ذكرت في بعض طبعات الكتاب بعنوان المندلائيين وهو غير صحيح.