فوزي آل سيف

116

من قصة الديانات والرسل

3. الشيعة وتعتبر فرقتَا الأشاعرة والمعتزلة من فرق أهل السُّنَّة والجماعة، والأشاعرة هُمُ الفئة العامَّة من أهل السنة، وهم الذين يجرون الصفات الإلهية كما ورد بها الخبر، فيعتقدون بأنَّ لله يَدًا، ويستدلُّون بالآية: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)،[325]وله وجه: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) ولكن يعتقدون بالاختلاف، كاختلاف أعضاء الطِّفل عن[326] الرجل الكبير حسب الحجم، فمثلاً يد الله تناسب عظمته، ووجه الله يناسب قدرته وهيبته. أمَّا المعتزلة فقد تشابهوا كثيرًا في أصول أجوبتهم مع الشيعة، حتى ذكروا أنهم أخذوا الاعتزال من أمير المؤمنين عن محمد بن الحنفية عن ابنه أبي هاشم، ثم امتدَّت سلسلتهم بعد ذلك. ومن أمثلة ما يتشابهون مع الشيعة هو ما يرتبط في صفات الله الخبرية، وصفات الله الخبرية تعني التي جاء النقل بها، فهم يعتقدون مثل أتباع أهل البيت عليهم السَّلام في أنَّه لا يمكن حمل بعض الآيات على ظاهرها على الجوارح والأعضاء، بل لها تأويلٌ آخرُ إذ لا يمكن القول بأنَّ لله يدًا أو وجهًا أو رِجْلاً. ومن الأمثلة أيضًا، أنَّ المعتزلة ترى نفس الرَّأي في عدل الله؛ حيثُ تعتقد بأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل على نفسه العدل ولم يلزمه أحد على ذلك، فيما يرى الأشاعرةُ بأنَّ الله غيرُ مُلْزَمٍ بالعدل، فيستطيع أنْ يرمي مؤمنًا في النَّار وأنْ يُدْخِلَ قاتِلاً مُجْرِمًا الجَّنَةَ. وتتفرَّعُ من هذا الموضوع مسائلُ كثيرة، ولذلك يجعل الإمامية (العدل) واحدًا من أصول المذهب، كما تَتَّفقُ معهم فرقةُ المعتزلة أيضًا. ولهذا عرفوا (الامامية والمعتزلة) بالعدلية. إلى الآن رأينا بأنَّ هناك انقسامين، الأول: بين الفرقتين المشهورتين (الشيعة والسنة) في مسألة تحديد الإمامة، والانقسام الثاني: في الإجابة على الأسئلة عن صفات الله وعدل الله بين (الأشاعرة والمعتزلة والشيعة). يوجد أيضًا انقسام ثالث وهو الانقسام في المذهب الفقهيّ: في هذا الانقسام يرى أتباع مدرسة الخلفاء بأنه بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) توقَّف الوحيُ والنَّص والحديث، ومُنِعَت كتابةُ الحديث النَّبَوِيِّ في أيام بعض الخلفاء؛ لأسباب لا يراها الإماميَّةُ صحيحةً، ومنها: تجنُّب اختلاط القرآن الكريم مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكتب الحديث ويدون إلاَّ في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز. أما في مدرسة أتباع أهل البيت عليهم السلام فلم تتوقَّف كتابةُ الحديث، كما أنهم يجعلون حديثَ الأئمة الاثني عشر المعصومين عليهم السلام في الحُجِّيَّة كحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، ويعتنون به ويُدَوِّنُونَه تَمَامًا كحديث الرَّسول صلَّى الله عليه وآله. وبهذا فإنه ومن وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله سنة 11 للهجرة، وإلى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة 99 للهجرة لم يُدَوَّن حديثُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وعندما دُوِّنَ لم يَكُنْ كافيًا لحلِّ المسائل الفقهية التي تَتَجَدَّدُ وتزداد باستمرار، وعلى الخصوص مسائل الحج؛ لهذا كانت لدى أتباع مدرسة الخلفاء مشكلة في هذا الجانب، فقاموا بابتكار أدلَّةٍ جديدةٍ؛ كأفعال وأقوال الصَّحابة حتى وإنْ لم يسندوها لرسول الله صلى الله عليه وآله، أو قياس الأشياء ببعضها البعض، أو الاستحسان، أو المصالح المرسلة، بل قاموا يأخذون الأدلَّة من أفعال أو أقوال أهل

--> 325 الفتح: 9 326 الرحمن: 27