فوزي آل سيف

112

من قصة الديانات والرسل

فلا حاجةَ للمظهر العبادي الذي لا يعدو كونه طِقسًا.[318] وخطأ هذا المسلك واضح لأن الله تعالى هو المشرّع، وهو الذي جعل الوصول إلى رضوانه يمرُّ فقط عبر الالتزام بأوامره ومنها تأدية العبادات وفق تشريعه تعالى. أما التشريع المعاملاتي: فهو مجموعة من القوانين التي تنظّم علاقة الإنسان بما حوله وبمن حوله؛ تنظم علاقته بالجماد والحيوان والنبات، وكلّ الموجودات التي يتصل بها؛ وعلى رأسها أخيه الإنسان. فيهدف الشارع المقدّس من خلال هذا التنظيم إلى الوصول بالإنسان للحياة الطيبة. تتصل هذه القوانين بكلّ شؤون الحياة من بيعٍ وشراءٍ أو زواجٍ وطلاقٍ أو علاقةٍ والديةٍ أو ذبحِ حيوانٍ أو تعاملٍ مع البيئةِ والطبيعةِ من بحارٍ وشجرٍ.... فالله تعالى هو الخالقُ، وهو المالكُ الحقيقي؛ لذا وجب على مَن أراد رضاه وجنته أنْ يسير وفق منهجه. وليس للعبد حتى التصرّف في جسده إلا بمراعاة تشريع خالق ومالك ذلك الجسد وهو الله جلّ شأنه. فضلا عن التصرف في المخلوقات الأخر، والطبيعة. فإن من المعلوم في حكم العقل أنه لا يصح التصرف في ملك الغير إلا بإذنه، وقد فرضنا أن اللهَ مالكُ كل شيء بعدما كان خالقَ كل شيء، ولذلك فما لم يكن ذلك التصرفُ (بسم الله الرحمن الرحيم) وبإذنه فإنه يعتبر عدوانًا وظلمًا يستحق فاعله العقوبة. الضلع الثالث: النظام الأخلاقي وهو على مستويين؛ إلزاميٌ وجوبي، ومستحبٌ ترغيبي (وهو الأكثر). من ذلك - مثلاً – وجوب النفقةِ على الوالدين حال فقرهما وحاجتهما، وصيرورة ذلك الوجوب إلى الاستحباب حال اكتفائهما وغناهما؛ حيث يُعدّ من صلة الرحم. الحالة الأخلاقية تحفظ التشريع وتحفظ العقيدة، ولذلك لا ينبغي أن يتخلى الإنسان عنها. كلُّ ما انضوى تحت الأضلاع الثالثة - من عقيدةٍ وعبادةٍ ومعاملاتٍ وأخلاق - احتضن أصولَه القرآنُ الكريم دون التفاصيل، وكان عبءُ التفصيل على السنة الشريفة، ومن ثمّ على كاهل العلماء المختصين في استنطاق النصوص المقدّسة. فالإسلام تشريعٌ متكاملٌ؛ يهدف إلى خلق حياةٍ طيبةٍ ترضاها السماء للإنسان في هذه الدنيا، كما يهدف إلى الأخذ بيد هذا الإنسان إلى رضا الله وجنته – إنْ التزم الإنسان بالمنهج الذي رسمه الله له –. ويبرز هنا تساؤلٌ مهمٌ: إذا كان الإسلام منهجًا متكاملاً؛ ينظّم حياة المسلم في الدنيا ويسعده، ويضمن له حياةَ الخلد في جنان الله ومرضاته؛ فلماذا نرى حال المسلمين خلافَ ما يهدفُ ويوصلُ إليه هذا المنهج؟ وجوابُ التساؤل.. هو إنّ المنهج عبارةٌ عن طريق؛ لا يكفي معرفته في الوصول إلى الهدف؛ بل لابد من السير في ذلك الطريق للوصول.

--> 318 وهو نفس الانحراف الذي أغرى به بولس الطرسوسي أتباع السيد المسيح عليه السلام، عندما أفرغ المسيحية من العبادات والطقوس وحولها إلى ديانة روحانية زاعما أن الإيمان والمحبة يغنيان عن ذلك وهي نفس الفكرة التي زعمها بعض المتصوفة من أن من وصل إلى الحقيقة فلا يحتاج إلى الشريعة!