فوزي آل سيف
17
سيد الجنة : الإمام الحسن بن علي
الأول: أن معاوية بن أبي سفيان، هو الذي سعى لموضوع الصلح، وعرضه على الإمام الحسن، إلى الدرجة التي أمضى له ورقة بيضاء يضع فيها الحسن ما شاء من الشروط،[40]وبذل أموالا للإمام الحسن، في سبيل أن يتحقق هذا الصلح، وقد قبل الحسن هذا الصلح لما كان فيه من مصلحة، أشار إليها ما روي في مصادر مدرسة الخلفاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في حق الحسن وأنه (سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين).[41] بطبيعة الحال لا بد أن يستنتج قارئ النصوص التاريخية المتأثرة بالنظرة الأموية أن من يطلب الصلح مع كونه في موقع القوة والانتصار – معاوية كما يزعمون - أفضل ممن يسعى وراء الحرب[42]، إذ (الصُّلْحُ خَيْرٌ) وأفضل ممن يسعى إليه عندما يهزم – وهو الحسن المجتبى – كما يزعمون! الثاني: أنه كان في ذلك الصلح فوائد كبيرة للمسلمين، وأولها اجتماع حال المسلمين بعدما كانت مفترقة، وأنه حقن دماء المسلمين فيما بينهم[43]، ولذلك سمَّوا العام الذي حصل فيه الصلح بعام الجماعة.
--> 40 ) ليس هذا فحسب بل إن ابن الأثير في الكامل ٣/ ٤٠٥ قد هرف بأنه " لمّا رأى الحسن تفرّق الأمر عنه كتب إلى معاوية وذكر شروطا وقال له: إن أنت أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به. وقال لأخيه الحسين وعبد اللَّه بن جعفر: إنّني قد راسلت معاوية في الصلح. فقال له الحسين: أنشدك اللَّه أن تصدّق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك! فقال له الحسن: اسكت، أنا أعلم بالأمر منك. فلمّا انتهى كتاب الحسن إلى معاوية أمسكه، وكان قد أرسل عبد اللَّه بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن قبل وصول الكتاب ومعهما صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها، وكتب إليه: أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك. فلمّا أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، فلمّا سلّم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية، فأبى ذلك معاوية وقال له: قد أعطيتك ما كنت تطلب. وكان الّذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، ومبلغه خمسة آلاف ألف، وخراج دارابجرد من فارس، وألا يشتم عليّا، فلم يجبه إلى الكفّ عن شتم عليّ، فطلب ألا يشتم وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثمّ لم يف له به أيضا، وأمّا خراج دارابجرد فإن أهل البصرة منعوه منه وقالوا: هو فيئنا لا نعطيه أحدا، وكان منعهم بأمر معاوية أيضا." وبالطبع فإن الذي يقرأ هذا النص الكاذب يخرج بنتائج: 1/ أن الإمام الحسن هو الذي ركض وراء الصلح بعد أن هزم! 2/ أن كل ما يهم الحسن المجتبي هو بيت المال والخراج ولذلك اشترط عليه أول الأمر ذلك واكتفى به، فهو شخص مادي يبيع السلم والحرب بالمال!! وأنه بينما سعى الحسن للصلح مضطرا ومن موقع هزيمة فإن معاوية سعى للصلح مع أنه كان في موقع القوة، وأن لجوءه للصلح كان على خلاف طريقة أبيه على واعتراض أخيه الحسين!! 3/ أنه لا يفي بكلامه فقد كتب شرطين ماليين في أول الأمر فلما جاءت الرسالة الأخرى البيضاء من معاوية اشترط فيها شروطا اضافية، فالقضية إذن عنده ليست سوى مساومات! وأنه لا يلتزم بما قاله.. ومعنى هذا أن معاوية لو لم يف له فيما بعد فإن الحسن لم يلتزم بكلمته قبل ذلك.. وفي هذه الكلمات القليلة من قلب الحقائق وإثبات الأكاذيب ما لا يخفى على المتأمل، وهذا نموذج واحد مما كتبه المؤرخون. 41 ) رأى الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي في موسوعة التاريخ الإسلامي ٥/ ٥٠٤ أن الحديث مختلق وقال عند نقله احتجاج الإمام الحسن بأن النبي قال فيه وفي الحسين، إنهما إمامان قاما أو قعدا.." احتجّ الإمام عليه السّلام هنا بهذا الحديث النبوي الشريف، ولم يحتجّ قط بما رووه عن الصحابي أبي بكرة الثقفي عنه صلّى اللّه عليه وآله في قوله الحسن: «ابني هذا سيّد، وسيصلح اللّه به بين طائفتين أو فئتين من أمتي» ولو صحّ عنه ذلك لكان أولى بالاحتجاج به، ممّا يدلّ على اختلاقه ووضعه على لسانه كذبا". 42 ) وكأن في ذلك اشارة مبطنة إلى انتقاد طريقة الإمام علي عليه السلام حيث خاض الحروب في خلافته. 43 ) صحيح البخاري ٣/١٨٦ — البخاري: اسْتَقْبَلَ واللَّهِ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعاوِيَةَ بِكَتائِبَ أمْثالِ الجِبالِ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ: إنِّي لَأرى كَتائِبَ لاَ تُوَلِّي حَتّى تَقْتُلَ أقْرانَها، فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ وكانَ واللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أيْ عَمْرُو إنْ قَتَلَ هَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ، وهَؤُلاَءِ هَؤُلاَءِ مَن لِي بِأُمُورِ النّاسِ مَن لِي بِنِسائِهِمْ مَن لِي بِضَيْعَتِهِمْ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، فَقالَ: اذْهَبا إلى هَذا الرَّجُلِ، فاعْرِضا عَلَيْهِ، وقُولاَ لَهُ: واطْلُبا إلَيْهِ، فَأتَياهُ، فَدَخَلاَ عَلَيْهِ فَتَكَلَّما، وقالاَ لَهُ: فَطَلَبا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُما الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إنّا بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَدْ أصَبْنا مِن هَذا المالِ، وإنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عاثَتْ فِي دِمائِها، قالاَ: فَإنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذا وكَذا، ويَطْلُبُ إلَيْكَ ويَسْألُكَ قالَ: فَمَن لِي بِهَذا، قالاَ: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَما سَألَهُما شَيْئًا إلّا قالاَ: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصالَحَهُ، فَقالَ الحَسَنُ: ولَقَدْ سَمِعْتُ أبا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إلى جَنْبِهِ، وهُوَ يُقْبِلُ عَلى النّاسِ مَرَّةً، وعَلَيْهِ أُخْرى ويَقُولُ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»