فوزي آل سيف
23
نساء حول أهل البيت
أن تعيش امرأة مع زوجها المطارد ، والمهدد بالاعتقال ، والذي يحمل جراحا نفسية دامية ، من الماضي ، فهذا يحتاج إلى نمط من النساء صابر ومصبر .. قوي ويصنع القوة لدى الطرف الآخر . فالحسين زوجها قد ظل مدة طويلة من الزمان متخفيا ، وبعيدا عن الأنظار ، ثم لما خف الطلب عنه وعن أمثاله ظل في حالة من الحذر بحيث حتى وهو يخرج إلى الناس يبقى على مسافة منهم ، فلا يدخل عليه إلا من يثق به . ولا يثق إلا بمن يعرفه . وفي تلك الفترة كانت الأحداث التي مرت عليه بدء من شهادة والده وإخوته وأقاربه ، واختفاء بعضهم الآخر[28] ، تخلق في داخله أخاديد
--> 28 ) لمعرفة شيء عن المعاناة التي ألمت بهذه العترة الطيبة ، وكيف أنها صارت غرضا للحاكمين ترمى بعنفهم قتلا وسجنا وتشريد ، ننقل لك ما ذكره المؤرخون عن اختفاء عيسى بن زيد ، أخ الحسين المذكور هنا .. فقد نقل يحيى بن الحسين بن زيد ، ابن خديجة صاحبة الترجمة اعلاه ما يلي : كما ذكره الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين ص 270 : قال : قال يحيى بن الحسين بن زيد : قلت لابي : يا أبة ، إنى أشتهي أن أرى عمي عيسى بن زيد ، فانه بقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من اشياخه ، فدافعني عن ذلك مدة وقال : إن هذا أمر يثقل عليه ، واخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إياه فتزعجه ، فلم ازل به أداريه والطف به حتى طابت نفسه لي بذلك فجهزني إلى الكوفة وقال لي : إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي ، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية ، وسترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيدا منها في اول السكة ، فانه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثر السجود في جبهته عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل ، وقد انصرف يسوق الجمل لا يضع قدما ولا يرفعها إلا ذكر الله - عز وجل- ودموعه تنحدر فقم وسلم عليه وعانقه ، فانه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرفه نفسك وانتسب له ، فانه يسكن اليك ويحدثك طويلا ، ويسألك عنا جميعا ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه وودعه ، فانه سوف يستعفيك من العودة إليه فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فانك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك وانتقل عن موضعه وعليه في ذلك مشقة . فقلت : أفعل كما أمرتني . ثم جهزني إلى الكوفة وودعته وخرجت ، فلما وردت الكوفة قصدت سكة بني حي بعد العصر ، فجلست خارجها بعد ان تعرفت الباب الذي نعته لي ، فلما غربت الشمس إذ أنا به قد أقبل يسوق الجمل وهو كما وصف لي أبي لا يرفع قدما ولا يضعها إلا حرك شفتيه بذكر الله ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحياناً ، فقمت فعانقته فذعر مني كما يذعر الوحش من الانس فقلت : يا عم انا يحيى بن الحسين بن زيد بن اخيك ، فضمني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه ، ثم اناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن اهله رجلا رجلا ، وامرأة امرأة ، وصبيا صبيا ، وانا اشرح له أخبارهم وهو يبكي ، ثم قال : يا بني انا استقي على هذا الجمل الماء ، فأصرف ما اكتسب ، يعني من اجرة الجمل إلى صاحبه واتقوت باقيه ، وربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج إلى البرية ، يعني بظهر الكوفة ، فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فأتقوته . وقد تزوجت إلى هذا الرجل ابنته ، وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا فولدت مني بنتا ، فنشأت وبلغت ، وهي أيضاً لا تعرفني ، ولا تدري من انا ، فقالت لي امها : زوج ابنتك بابن فلان السقاء - لرجل من جيراننا يسقي الماء - فانه أيسر منا وقد خطبها ، والحت علي فلم اقدر على أخبارها بأن ذلك غير جائز ، ولا هو بكفء لها ( أقول : ربما كان غير متدين أو ليس ذا خلق ) فيشيع خبري ، فجعلت تلح علي فلم أزل استكفى الله أمرها حتى ماتت بعد ايام فما اجدني آسى على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى الله عليه وآله . قال : ثم اقسم علي ان انصرف ولا اعود إليه وودعني . فلما كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي انتظرته فيه لاراه فلم أره ، وكان آخر عهدي به .