فوزي آل سيف

149

نساء حول أهل البيت

أنه منسجم مع دعواته الخارجية بأفعاله الداخلية ، ولعل هذا يفسر لنا سر سؤال بعض الناس من عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن خلقه فقالت : كان خلقه القرآن . إن الدرس الأعظم الذي ينبغي أن يستوعبه المؤمنون هو أن المعادلة الالهية في التقديم والتأخير خاضعة لقانون واقعي صارم . خلافا للمعادلات السائدة في الدنيا ، فإن من الممكن في الدنيا أن يتقدم بالتزوير والتدليس والقوة من حقه التأخير ، ويؤخر من حقه التقديم بالارهاب والاضطهاد ، وهذا التاريخ بين يديك مكتوب والحاضر بين عينيك مشهود يبرهنان لك على صدق هذه المقولة . لكن ذلك لا يحصل في المعادلة الالهية ، فلا يتقدم شخص في الآخرة إلا وهو مقدم ، ولا يأتي أول الخلق رسول الله صلى الله عليه وآله ليطرق باب الجنة إلا لكونه أول الخلق وأفضلهم إيمانا واستجابة . بل حتى في الدنيا ـ ضمن المعادلة الالهية ـ لا يمكن أن يكون شخص نبيا إلا وهو مستكمل للخصال اللازم توفرها في الأنبياء ، وكذا الحال بالنسبة للأئمة[169] . وربما يكون هذا المعنى هو الذي أشار إليه أحد سفراء الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف وهو الحسين بن روح في حق فاطمة الزهراء عليها السلام عندما سئل عن سر تقديمها بحيث كانت أم الأئمة وقد ورد فيها ما ورد مع أن لرسول الله بنات أخريات ؟ فقال : لفضل إخلاص عرفه الله في نيتها[170] .

--> 169 / في بحار الأنوار 82 /52 : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا فاطمة أما علمت أنا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة على الدنيا وإنه حتم الفناء على جميع خلقه ، وأن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منهم وجعلني نبيا واطلع إلى الأرض اطلاعة ثانية ، فاختار منها زوجك ، فأوحى الله إلى أن أزوجك إياه ، وأن أتخذه وليا ووزيرا ، وأن أجعله خليفتي في امتي ، فأبوك خير أنبياء الله ورسله ، وبعلك خير الاوصياء ، وأنت أول من يلحق بي من أهلي : ثم اطلع إلى الأرض اطلاعة ثالثة فاختارك وولدك وأنت سيدة نساء أهل الجنة ، وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة ، وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة ، كلهم هادون مهديون ، والاوصياء بعدي أخي علي ثم حسن وحسين ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله عز وجل من درجتي ، ودرجة أوصيائي ، وأبى إبراهيم . أما تعلمين يا بنية أن من كرامة الله عز وجل إياك أن زوجك خير أمتي ، وخير أهل بيتي : أقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علماً ، فاستبشرت فاطمة ( عليها السلام ) وفرحت بما قال لها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . 170 / مناقب آل أبي طالب 3 / 105 : سأل أحدهم الحسين بن روح رضي الله عنه فقال : كم بنات رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : اربع ، فقال : أيتهن افضل ؟ فقال : يا فاطمة ، قال : ولم صارت افضل وكانت اصغرهن سناً واقلهن صحبة لرسول الله ؟ قال : لخصلتين خصها الله بهما ، انها ورثت رسول الله ونسل رسول الله منها ، ولم يخصها بذلك إلا بفضل اخلاص عرفه من نيتها . . لا يخفى أن الحديث يمكن أن يثير ملاحظات منها أنه يثبت أن باقي البنات هن بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الحديث مما يعتبر دليلاً على تلك الفكرة ، إلا أن يناقش بأن الحسين بن روح أجاب السائل تنزلا ، لإثبات أصل المطلب من غير نظر إلى إقراره للسائل على فكرته في كون تلكم البنات بنات نسبيات للرسول ، كما يثير سؤالا آخر وهو أنه هل كان فضل إخلاص النية هو العامل الوحيد الذي تميزت به الزهراء سلام الله عليها ؟ وجوابه أنه لم يفرض أنه العامل الوحيد ، ولعل الحسين أجاب السائل على مستوى تعقله دون أن يتعرض إلى كل الجوانب التي ربما كان بعضها أعلى من مستوى إدراكه . والله العالم .