ابن أبي الحديد
97
شرح نهج البلاغة
وقد خطر لي فيه معنى آخر ، وهو أن صاحب المال الحرام إنما يصرفه في أكثر الأحوال وأغلبها في الفساد وارتكاب المحظور كما قال ( من اكتسب مالا من نهاوش أذهبه الله في نهابر ) ( 1 ) فإذا اخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوت عليه صرفه في تلك القبائح والمحضورات التي كان بعرضته صرف ذلك القدر فيها لو لم يأخذه الفقير ، فإذا قد أحسن الفقير إليه بكفه عن ارتكاب القبيح ، ومن العصمة الا يقدر فكان المعطى أعظم أجرا من المعطى . قوله عليه السلام ( ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النعمة ) ، بفتح النون ، وهي غضارة العيش ، وقد قيل في المثل سكر الهوى أشد من سكر الخمر . قال ( تحلفون من غير اضطرار ) ; أي تتهاونون باليمين وبذكر الله عز وجل . قال ( وتكذبون من غير إحراج ) ، أي يصير الكذب لكم عادة ودربه ، لا تفعلونه لان آخر منكم قد أحرجكم وأضطركم بالغيظ إلى الحلف . وروى من غير ( إحواج ) بالواو ، أي من غير أن يحوجكم إليه أحد . قال ذلك إذا عضكم البلاء كما يعض القتب غارب البعير . هذا الكلام غير متصل بما قبله ، وهذه عادة الرضى رحمه الله يلتقط الكلام التقاطا ، ولا يتلو بعضه بعضا ، وقد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها فيما تقدم من الاجزاء الأول ، وقبل هذا الكلام ذكر ما يناله شيعته من البؤس والقنوط ومشقة انتظار الفرج . قوله عليه السلام ( ما أطول هذا العناء ، وابعد هذا الرجاء ) هذا حكاية كلام شيعته وأصحابه .
--> ( 1 ) النهاوش : المظالم : والنهابر : المهالك ; وانظر النهاية لابن الأثير . . . / 1 .