ابن أبي الحديد

8

شرح نهج البلاغة

عملوا فيها بما يبصرون ، وبادروا فيها ما يحذرون ، تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة ، ويرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم ، وهم أشد اعظاما لموت قلوب أحيائهم . * * * الشرح : بين ظهراني أهل الآخرة ، بفتح النون ، ولا يجوز كسرها ، ويجوز " بين ظهري أهل الآخرة " ، لو روى ، والمعنى في وسطهم . قوله عليه السلام : " كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها " ، أي هم من أهلها في ظاهر الامر وفي مرأى العين وليسوا من أهلها ، لأنه لا رغبة عندهم في ملاذها ونعيمها ، فكأنهم خارجون عنها . قوله : " عملوا فيها بما يبصرون " ، أي بما يرونه أصلح لهم ، ويجوز أن يريد أنهم لشدة اجتهادهم قد أبصروا المآل ، فعملوا فيها على حسب ما يشاهدونه من دار الجزاء ، وهذا كقوله عليه السلام : " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " . قوله عليه السلام : " وبادروا فيها ما يحذرون " ، أي سابقوه ، يعنى الموت . قوله عليه السلام : " تقلب أبدانهم " ، هذا محمول تارة على الحقيقة ، وتارة على المجاز ، اما الأول فلأنهم لا يخالطون الا أهل الدين ولا يجالسون أهل الدنيا ، واما الثاني فلأنهم لما استحقوا الثواب كان الاستحقاق بمنزله وصولهم إليهم ، فأبدانهم تتقلب بين ظهراني أهل الآخرة ، أي بين ظهراني قوم هم بمنزلة أهل الآخرة ، لان المستحق للشئ نظير لمن فعل به ذلك الشئ . ثم قال : هؤلاء الزهاد يرون أهل الدنيا إنما يستعظمون موت الأبدان ، وهم أشد استعظاما لموت القلوب ، وقد تقدم من كلامنا في صفات الزهاد والعارفين ما فيه كفاية