ابن أبي الحديد
79
شرح نهج البلاغة
ثم قال عليه السلام ( ولكان له وراء إذا وجد له امام ) هذا يؤكد ما قلناه انه إشارة إلى نفى الجوهر الفرد ، يقول لو حلته الحركة لكان جرما وحجما ; ولكان أحد وجهيه غير الوجه الاخر لا محالة ، فكان منقسما ، وهذا الكلام لا يستقيم الا مع نفى الجوهر الفرد ، لان من أثبته يقول يصح أن تحله الحركة ، ولا يكون أحد وجهيه غير الاخر ، فلا يلزم أن يكون له وراء وامام . ثم قال عليه السلام ( ولا التمس التمام إذ لزمه النقصان ) ، هذا إشارة إلى ما يقوله الحكماء ، من إن الكون عدم ونقص ، والحركة وجود وكمال ، فلو كان سبحانه يتحرك ويسكن لكان حال السكون ناقصا قد عدم عنه كماله ، فكان ملتمسا كماله بالحركة الطارئة على السكون ، وواجب الوجود ، يستحيل أن يكون له حالة نقصان ، وأن يكون له حالة بالقوة وأخرى بالفعل . قوله عليه السلام ( إذا لقامت آية المصنوع فيه ) ، وذلك لان آية المصنوع كونه متغيرا منتقلا من حال إلى حال ، لأنا بذلك استدللنا على حدوث الأجسام ، فلو كان تعالى متغيرا متحركا منتقلا من حال إلى حال لتحقق فيه دليل الحدوث ، فكان مصنوعا ، وقد ثبت انه الصانع المطلق سبحانه . قوله عليه السلام ( ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ) ، يقول انا وجدنا دليلنا على الباري سبحانه ، إنما هو الأجسام المتحركة ، فلو كان الباري متحركا لكان دليلا على غيره ، وكان فوقه صانع آخر صنعه وأحدثه ، لكنه سبحانه لا صانع له ولا ذات فوق ذاته ، فهو المدلول عليه والمنتهى إليه . قوله عليه السلام ( وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما أثر في غيره ) ، في هذا الكلام يتوهم سامعه انه عطف على قوله ( لتفاوتت ) و ( لتجزأ ) و ( لامتنع )