ابن أبي الحديد

72

شرح نهج البلاغة

انه تعالى كان ولا زمان ولا وقت ، واما الحكماء فيقولون إن الزمان عرض قائم بعرض آخر ، وذلك العرض الاخر قائم بجسم معلول لبعض المعلولات الصادرة عنه سبحانه ، فالزمان عندهم - وإن كان لم يزل - الا إن العلة الأولى ليست واقعة تحته ، وذلك هو المراد بقوله ( لا تصحبه الأوقات ) إن فسرناه على قولهم ، وتفسيره على قول المتكلمين أولى . وعاشرها قوله ( ولا ترفده الأدوات ) ، رفدت فلانا إذا أعنته ; والمراد الفرق بيننا وبينه ، لأننا مرفودون بالأدوات ، ولولاها لم يصح منا الفعل ، وهو سبحانه بخلاف ذلك . وحادي عشرها قوله ( سبق الأوقات كونه . . . ) إلى آخر الفصل ، هذا تصريح بحدوث العالم . فان قلت ما معنى قوله ( والعدم وجوده ) ، وهل يسبق وجوده العدم مع كون عدم العالم في الأزل لا أول له ؟ قلت ليس يعنى بالعدم ها هنا عدم العالم بل عدم ذاته سبحانه ، أي غلب وجود ذاته عدمها وسبقها ، فوجب له وجود يستحيل تطرق العدم إليه أزلا وأبدا بخلاف الممكنات ، فان عدمها سابق بالذات على وجودها ، وهذا دقيق * * * الأصل : بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبمضادته بين الأمور عرف أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له . ضاد النور بالظلمة ; والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحرور بالصرد .