ابن أبي الحديد
311
شرح نهج البلاغة
والايمان في ( 1 ) الآية ، قوم مخصوصون منهم ، وهم أهل الاخلاص والايمان التام فصار ذكر الخاص بعد العام ، كذكره تعالى جبرئيل وميكائيل ، ثم قال ( والملائكة بعد ذلك ظهير ) ( 2 ) ، وهما من الملائكة ومعنى قوله تبوءوا الدار والايمان ) سكنوهما ، وإن كان الايمان لا يسكن كما تسكن المنازل ، لكنهم لما ثبتوا عليه ، واطمأنوا سماه منزلا لهم ومتبوأ ، ويجوز أن يكون مثل قوله : ورأيت زوجك في الوغى * متقلدا سيفا ورمحا ( 3 ) ثم ذكر عليه السلام أن أهل الشام اختاروا لأنفسهم أقرب القوم مما يحبونه ، وهو عمرو بن العاص ، وكرر لفظة ( القوم ) ، وكان الأصل أن يقول الا وان القوم اختاروا لأنفسهم أقربهم مما يحبون ، فأخرجه مخرج قول الله تعالى ( واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور ) ( 4 ) والذي يحبه أهل الشام هو الانتصار على أهل العراق والظفر بهم ، وكان عمرو بن العاص أقربهم إلى بلوغ ذلك ، والوصول إليه بمكره وحيلته وخدائعه . والقوم في قوله ثانيا ( أقرب القوم ) ، بمعنى الناس كأنه قال واخترتم لأنفسكم أقرب الناس ، مما تكرهونه ، وهو أبو موسى الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس ، والذي يكرهه أهل العراق هو ما يحبه أهل الشام ، وهو خذلان عسكر العراق وانكسارهم ، واستيلاء أهل الشام عليهم ، وكان أبو موسى أقرب الناس إلى وقوع ذلك ، وهكذا وقع لبلهه وغفلته وفساد رأيه ، وبغضه عليا عليه السلام من قبل . ثم قال أنتم بالأمس ، يعنى في واقعة الجمل ، قد سمعتم أبا موسى ينهى أهل الكوفة
--> ( 1 ) وهو قوله تعالى في سورة الحشر 9 : ( والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ) . ( 2 ) سورة التحريم 4 . ( 3 ) لعبد الله بن الزبعري ، كما في حواشي ابن القوطية على الكامل 189 ( ليبسك ) ، وانظر أمالي المرتضى 2 : 260 ، وحواشي شرح المرزوقي للحماسة 1147 . ( 4 ) سورة المائدة 7 .