ابن أبي الحديد
298
شرح نهج البلاغة
ولكن العرق نبوض ( 1 ) ، والرحم عروض ، وإذا قضيت حق العمومة ، فلا أبالي بعد إن هذا الرجل - يعنى عثمان - قد جاءني مرارا بحديثك ، وناظرني ملاينا ومخاشنا في امرك ، ولم أجد عليك الا مثل ما أجد منك عليه ، ولا رأيت منه لك الا مثل ما أجد منك له ، ولست تؤتى من قلة علم ، ولكن من قلة قبول ، ومع هذا كله فالرأي الذي أودعك به أن تمسك عنه لسانك ويدك ، وهمزك وغمزك ، فإنه لا يبدؤك ما لم تبدأه ، ولا يجيبك عما لم يبلغه ، وأنت المتجني وهو المتأني ، وأنت العائب وهو الصامت . فان قلت كيف هذا وقد جلس مجلسا انا به أحق ، فقد قاربت ولكن ذاك بما كسبت يداك ، ونكص عنه عقباك ، لأنك بالأمس الأدنى ، هرولت إليهم تظن انهم يحلون جيدك ، ويختمون إصبعك ، ويطأون عقبك ، ويرون الرشد بك ، ويقولون لا بد لنا منك ، ولا معدل لنا عنك ، وكان هذا من هفواتك الكبر ، وهناتك التي ليس لك منها عذر ، والآن بعد ما ثللت عرشك بيدك ، ونبذت رأي عمك في البيداء يتدهده ( 2 ) في السافياء ( 3 ) ، خذ بأحزم مما يتوضح به وجه الامر لا تشار ( 4 ) هذا الرجل ولا تماره ( 5 ) ، ولا يبلغنه عنك ما يحنقه عليك ، فإنه إن كاشفك أصاب أنصارا ، وإن كاشفته لم تر الا ضرارا ، ولم تستلج ( 6 ) الا عثارا ، واعرف من هو بالشام له ، ومن هاهنا حوله من يطيع امره ، ويمتثل قوله ، لا تغتر بالناس يطيفون بك ، ويدعون الحنو عليك والحب لك ، فإنهم بين مولى جاهل ، وصاحب متمن ، وجليس يرعى العين ويبتدر المحضر ، ولو ظن الناس بك ما تظن بنفسك لكان الامر لك ، والزمام في يدك ، ولكن هذا حديث يوم مرض رسول الله صلى الله عليه وآله فات ، ثم حرم الكلام فيه حين مات ، فعليك الان بالعزوف عن شئ عرضك
--> ( 1 ) كذا في ا ، ونبوض : من نبض العرق ينبض نبوضا ، وهو ضرباته وفي ب : ( يبوض ) . ( 2 ) يتدهده : يتدحرج . ( 3 ) السافياء : الريح التي تحمل التراب . ( 4 ) يقال : شاراه مشاراة ، إذا لاجه . ( 5 ) تماره : تجادله . ( 6 ) تستلج : تدخل .