ابن أبي الحديد
294
شرح نهج البلاغة
( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) ( 1 ) . * * * قال الجاحظ ولأبي بكر في ذلك اليوم مقام مشهور ، خرج ابنه عبد الرحمن فارسا مكفرا ( 2 ) في الحديد ، يسال المبارزة ، ويقول انا عبد الرحمن بن عتيق فنهض إليه أبو بكر يسعى بسيفه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله ( شم سيفك وارجع إلى مكانك ، ومتعنا بنفسك ( 3 ) ) . * * * قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما كان أغناك يا أبا عثمان عن ذكر هذا المقام المشهور لأبي بكر ، فإنه لو تسمعه الامامية لأضافته إلى ما عندها من المثالب ، لان قول النبي صلى الله عليه وآله ( ارجع ) دليل على أنه لا يحتمل مبارزة أحد ، لأنه إذا لم يحتمل مبارزة ابنه ، وأنت تعلم حنو الابن على الأب وتبجيله له ، وإشفاقه عليه وكفه عنه ، لم يحتمل مبارزة الغريب الأجنبي . وقوله له ( ومتعنا بنفسك ) ، إيذان له بأنه كان يقتل لو خرج ، ورسول الله كان أعرف به من الجاحظ ، فأين حال هذا الرجل من حال الرجل الذي صلى بالحرب ، ومشى إلى السيف بالسيف ، فقتل السادة والقادة والفرسان والرجالة . * * * قال الجاحظ على أن أبا بكر - وان لم تكن آثاره في الحرب كآثار غيره - فقد بذل الجهد ، وفعل ما يستطيعه وتبلغه قوته ، وإذا بذل المجهود فلا حال أشرف من حاله ( 4 ) .
--> ( 1 ) سورة الأعراف 89 . ( 2 ) اي مستترا . ( 3 ) العثمانية 62 . ( 4 ) العثمانية 62 .