ابن أبي الحديد

291

شرح نهج البلاغة

أحد من أرباب هذا العلم يذكر عمرا الا قال كان فارس قريش وشجاعها ، وإنما قال له حسان * ولقد لقيت غداة بدر عصبة * لأنه شهد مع المشركين بدرا ، وقتل قوما من المسلمين ثم فر مع من فر ، ولحق بمكة ، وهو الذي كان قال وعاهد الله عند الكعبة الا يدعوه أحد إلى واحدة من ثلاث الا إجابة وآثاره في أيام الفجار مشهورة تنطق بها كتب الأيام والوقائع ، ولكنه لم يذكر مع الفرسان الثلاثة وهم عتبة وبسطام وعامر ، لأنهم كانوا أصحاب غارات ونهب ، وأهل بادية ، وقريش أهل مدينة وساكنوا مدر وحجر ، لا يرون الغارات ، ولا ينهبون غيرهم من العرب ، وهم مقتصرون على المقام ببلدتهم وحماية حرمهم ، فلذلك لم يشتهر اسمه كاشتهار هؤلاء . ويقال له إذا كان عمرو كما تذكر ليس هناك ، فما باله لما جزع الخندق في ( 1 ) ستة فرسان هو أحدهم ، فصار مع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله على ارض واحدة ، وهم ثلاثة آلاف ، ودعاهم إلى البراز مرارا لم ينتدب أحد منهم للخروج إليه ، ولا سمح منهم أحد بنفسه ، حتى وبخهم وقرعهم ، وناداهم ألستم تزعمون أنه من قتل منا فإلى النار ، ومن قتل منكم فإلى الجنة أفلا يشتاق أحدكم إلى أن يذهب إلى الجنة ، أو يقدم عدوه إلى النار فجبنوا كلهم ونكلوا ، وملكهم الرعب والوهل ، فاما أن يكون هذا أشجع الناس كما قيل عنه ، أو يكون المسلمون كلهم أجبن العرب وأذلهم وأفشلهم وقد روى الناس كلهم الشعر الذي أنشده لما نكل القوم بجمعهم عنه ، وانه جال بفرسه واستدار وذهب يمنة ، ثم ذهب يسرة ، ثم وقف تجاه القوم ، فقال ولقد بححت من النداء * بجمعهم هل من مبارز

--> ( 1 ) جزع الخندق ، اي عبره .