ابن أبي الحديد

286

شرح نهج البلاغة

أترى رسول الله صلى الله عليه وآله خفى عليه من أمر علي عليه السلام ما لاح للجاحظ والعثمانية فمدحه وهو غير مستحق للمدح . قال الجاحظ فصاحب النفس المختارة المعتدلة يكون قتاله طاعة ، وفراره معصية ، لان نفسه معتدلة ، كالميزان في استقامة لسانه وكفتيه ، فإذا لم يكن كذلك كان اقدامه طباعا ، وفراره طباعا ( 1 ) . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله فيقال له فلعل انفاق أبى بكر على ما تزعم أربعين ألف درهم لا ثواب له ، لان نفسه ربما تكون غير معتدلة ، لأنه يكون مطبوعا على الجود والسخاء ، ولعل خروجه مع النبي صلى الله عليه وآله يوم الهجرة إلى الغار لا ثواب له فيه ، لان أسبابه كانت له مهيجة ، ودواعيه غالبة ، محبة الخروج ، وبغض المقام ، ولعل رسول الله صلى الله عليه وآله في دعائه إلى الاسلام وإكبابه على الصلوات الخمس في جوف الليل ، وتدبيره أمر الأمة لا ثواب له فيه ، لأنه قد تكون نفسه غير معتدلة ، بل يكون في طباعه الرياسة وحبها ، والعبادة والالتذاذ بها ، ولقد كنا نعجب من مذهب أبي عثمان أن المعارف ضرورة ، وانها تقع طباعا ، وفى قوله بالتولد وحركة الحجر بالطبع حتى رأينا من قوله ما هو أعجب منه ، فزعم أنه ربما يكون جهاد علي عليه السلام وقتله المشركين لا ثواب له فيه ، لأنه فعله طبعا ، وهذا اطرف من قوله في المعرفة وفى التولد . قال الجاحظ ووجه آخر أن عليا لو كان كما يزعم شيعته ، ما كان له بقتل الاقران كبير فضيلة ، ولا عظيم طاعة ، لأنه قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال له

--> ( 1 ) انظر العثمانية 47 ، 48 .