ابن أبي الحديد
281
شرح نهج البلاغة
بفضيلة النبوة ، وكانت قريش والعرب تطلبه كما تطلب محمدا صلى الله عليه وآله ، وكان يدبر من أمر الاسلام وتسريب العساكر وتجهيز السرايا ، وقتل الأعداء ، ما يدبره محمد صلى الله عليه وآله ، لكان للجاحظ أن يقول ذلك ، فاما وحاله حاله ، وهو أضعف المسلمين جنانا ، وأقلهم عند العرب ترة ، لم يرم قط بسهم ، ولا سل سيفا ، ولا أراق دما ، وهو أحد الاتباع ، غير مشهور ولا معروف ، ولا طالب ولا مطلوب ، فكيف يجوز أن يجعل مقامه ومنزلته مقام رسول الله صلى الله عليه وآله ومنزلته ولقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم أحد فرآه أبو بكر ، فقام مغيظا عليه ، فسل من السيف مقدار إصبع ، يريد البروز إليه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ( يا أبا بكر ، شم سيفك ( 1 ) وأمتعنا بنفسك ) ، ولم يقل له ( وأمتعنا بنفسك ) الا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب وملاقاة الرجال ، وانه لو بارز لقتل . وكيف يقول الجاحظ لا فضيلة لمباشرة الحرب ، ولقاء الاقران ، وقتل ابطال الشرك وهل قامت عمد الاسلام الا على ذلك وهل ثبت الدين واستقر الا بذلك أتراه لم يسمع قول الله تعالى ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ( 2 ) والمحبة من الله تعالى هي إرادة الثواب ، فكل من كان أشد ثبوتا في هذا الصف ، وأعظم قتالا ، كان أحب إلى الله ، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا ، فعلي عليه السلام إذا هو أحب المسلمين إلى الله ، لأنه أثبتهم قدما في الصف المرصوص ، لم يفر قط باجماع الأمة ، ولا بارزه قرن الا قتله . أتراه لم يسمع قول الله تعالى ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما ) ( 3 ) وقوله ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بان لهم الجنة يقاتلون
--> ( 1 ) شم سيفك ، اي أغمده وهو من الأضداد . ( 2 ) سورة الصف 4 . ( 3 ) سورة النساء 95 .