ابن أبي الحديد
278
شرح نهج البلاغة
يقول هذا على اعتقاد وجد ، ولم يذهب به مذهب اللعب والهزل ، أو على طريق التفاصح والتشادق واظهار القوة ، والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم ، ألم يعلم أبو عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان أشجع البشر ، وانه خاض الحروب ، وثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب ، وبلغت القلوب الحناجر ، فمنها يوم أحد ، ووقوفه بعد أن فر المسلمون بأجمعهم ، ولم يبق معه الا أربعة على والزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، فقاتل ورمى بالنبل حتى فنيت نبله ، وانكسرت سية قوسه ، وانقطع وتره ، فامر عكاشة بن محصن أن يوترها ، فقال يا رسول الله لا يبلغ الوتر ، فقال أوتر ما بلغ قال عكاشة فوالذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ ، وطويت منه شبرا على سية القوس ، ثم اخذها فما زال يرميهم ، حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت وبارز أبي بن خلف ، فقال له أصحابه إن شئت عطف عليه بعضنا فأبى ، وتناول الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتقض بأصحابه ، كما ينتقض البعير ، قالوا فتطايرنا عنه تطاير الشعارير ( 1 ) ، فطعنه بالحربة ، فجعل يخور كما يخور الثور ، ولو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه الا قوله تعالى ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم ) ( 2 ) ، فكونه عليه السلام في أخراهم وهم يصعدون ولا يلوون ، هاربين ، دليل على أنه ثبت ولم يفر ، وثبت يوم حنين في تسعة من أهله ورهطه الأدنين ، وقد فر المسلمون كلهم والنفر التسعة محدقون به والعباس آخذ بحكمة بغلته ، وعلى بين يديه مصلت سيفه ، والباقون حول بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله يمنة ويسرة ، وقد انهزم المهاجرون والأنصار ، وكلما فروا أقدم هو صلى الله عليه وآله وصمم مستقدما ، يلقى السيوف والنبال بنحره وصدره ، ثم اخذ كفا من
--> ( 1 ) الشعارير : ما يجتمع على دبرة البعير من الذبان ، فإذا هيجت تطايرت عنها . ( 2 ) سورة آل عمران 151 .