ابن أبي الحديد
276
شرح نهج البلاغة
صلى الله عليه وآله ، واما فضل عمر فغير منكر وكذلك الزبير وسعد ، وليس فيما ذكر ما يقتضى كون علي عليه السلام مفضولا لهم أو لغيرهم ، الا قوله ( وكل هذه الفضائل لم يكن لعلى عليه السلام فيها ناقة ولا جمل ) ، فان هذا من التعصب البارد ، والحيف الفاحش ، وقد قدمنا من آثار علي عليه السلام قبل الهجرة وما له إذ ذاك من المناقب والخصائص ، ما هو أفضل وأعظم وأشرف من جميع ما ذكر لهؤلاء ، على أن أرباب السيرة يقولون إن الشجة التي شجها سعد ، وان السيف الذي سله الزبير ، هو الذي جلب الحصار في الشعب على النبي صلى الله عليه وآله وبنى هاشم ، وهو الذي سير جعفرا وأصحابه إلى الحبشة ، وسل السيف في الوقت الذي لم يؤمر المسلمون فيه بسل السيف غير جائز ، قال تعالى ( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ) ( 1 ) ، فتبين أن التكليف له أوقات ، فمنها وقت لا يصلح فيه سل السيف ، ومنها وقت يصلح فيه ويجب ، فاما قوله تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق ) فقد ذكرنا ما عندنا من دعواهم لأبي بكر انفاق المال . وأيضا فان الله تعالى لم يذكر انفاق المال مفردا ، وإنما قرن به القتال ، ولم يكن أبو بكر صاحب قتال وحرب ، فلا تشمله الآية ، وكان علي عليه السلام صاحب قتال وإنفاق قبل الفتح ، اما قتاله فمعلوم بالضرورة ، واما انفاقه فقد كان على حسب حاله وفقره ، وهو الذي أطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، وأنزلت فيه وفى زوجته وابنيه سورة ( 2 ) كاملة من القرآن ، وهو الذي ملك أربعة دراهم فأخرج منها درهما سرا ودرهما علانية ليلا ، ثم اخرج منها في النهار درهما سرا ودرهما علانية ، فأنزل فيه قوله تعالى ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) ( 3 ) ، وهو الذي قدم بين يدي نجواه صدقة
--> ( 1 ) سورة النساء 77 . ( 2 ) زعم بعض غلاة الشيعة ، انه أنزلت فيهم سورة مختلفة ، وانظر فصل الخطاب لحسين بن محمد الطبرسي 156 ، وحواشي ملحق العثمانية 319 . ( 3 ) سورة البقرة 247 .