ابن أبي الحديد
275
شرح نهج البلاغة
نفقته على عياله واجبة ، مع أن أرباب السيرة ذكروا انه لم يكن ينفق على أبيه شيئا ، وانه كان أجيرا لابن جدعان على مائدته يطرد عنها الذبان . قال الجاحظ وقد تعلمون ما كان يلقى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ببطن مكة من المشركين ، وحسن صنيع كثير منهم ، كصنيع حمزة حين ضرب أبا جهل بقوسه ففلق هامته ، وأبو جهل يومئذ سيد البطحاء ورئيس الكفر ، وامنع أهل مكة ، وقد عرفتم أن الزبير سل سيفه ، واستقبل به المشركين ، لما أرجف أن محمدا صلى الله عليه وآله قد قتل ، وأن عمر بن الخطاب قال حين أسلم لا يعبد الله سرا بعد اليوم ، وان سعدا ضرب بعض المشركين بلحى جمل ، فأراق دمه ، فكل هذه الفضائل لم يكن لعلي بن أبي طالب فيها ناقة ولا جمل ، وقد قال الله تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا ) ( 1 ) ، فإذا كان الله تعالى قد فضل من أنفق قبل الفتح ، لأنه لا هجرة بعد الفتح ، على من أنفق بعد الفتح ، فما ظنكم بمن أنفق من قبل الهجرة ، ومن لدن مبعث النبي صلى الله عليه وآله إلى الهجرة والى بعد الهجرة ( 2 ) . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله إننا لا ننكر فضل الصحابة وسوابقهم ، ولسنا كالإمامية الذين يحملهم الهوى على جحد الأمور المعلومة ، ولكننا ننكر تفضيل أحد من الصحابة على علي بن أبي طالب ، ولسنا ننكر غير ذلك ، وننكر تعصب الجاحظ للعثمانية ، وقصده إلى فضائل هذا الرجل ومناقبه بالرد والابطال واما حمزة فهو عندنا ذو فضل عظيم ، ومقام جليل ، وهو سيد الشهداء الذين استشهدوا على عهد رسول الله .
--> ( 1 ) سورة الحديد 20 . ( 2 ) العثمانية 37 ، مع تصرف واختصار .