ابن أبي الحديد

273

شرح نهج البلاغة

وأسلم بنو عبد الأشهل بدعاء سعد في يوم واحد ، واما من لم يسلم ابنه ولا امرأته ، ولا أبوه ولا أخته بدعائه فهيهات أن يوصف ويذكر بالرفق في الدعاء وحسن التأتي والأناة . قال الجاحظ ثم أعتق أبو بكر بعد ذلك جماعة من المعذبين في الله ، وهم ست رقاب ، منهم بلال وعامر بن فهيرة ، وزنيرة النهدية ، وابنتها ومر بجارية يعذبها عمر بن الخطاب فابتاعها منه ، وأعتقها ، واعتق أبا عيسى فأنزل الله فيه ( فاما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى . . . ) ( 1 ) ، إلى آخر السورة . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله اما بلال وعامر بن فهيرة ، فإنما اعتقهما رسول الله صلى الله عليه وآله ، روى ذلك الواقدي وابن إسحاق وغيرهما ، واما باقي مواليهم الأربعة ، فان سامحناكم في دعواكم لم يبلغ ثمنهم في تلك الحال لشدة بغض مواليهم لهم الا مائة درهم أو نحوها ، فأي فخر في هذا واما الآية فان ابن عباس قال في تفسيرها ( فاما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى ) ، أي لان يعود . وقال غيره نزلت في مصعب بن عمير . قال الجاحظ وقد علمتم أبو بكر في ماله ، وكان ماله أربعين ألف درهم ، فأنفقه في نوائب الاسلام وحقوقه ، ولم يكن خفيف الظهر ، قليل العيال والنسل ، فيكون فاقد جميع اليسارين ، بل كان ذا بنين وبنات وزوجة وخدم وحشم ، ويعول والديه وما ولدا ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله قبل ذلك عنده مشهورا ، فيخاف العار في ترك مواساته ، فكان انفاقه على الوجه الذي لا نجد في غاية الفضل مثله ، ولقد قال النبي صلى الله عليه وآله ( ما نفعني مال كما نفعني مال أبى بكر ) .

--> ( 1 ) سورة الليل 5 .