ابن أبي الحديد

266

شرح نهج البلاغة

لا إلى المجاب ، على انا قد علمنا أن من استجاب لموسى عليه السلام أكثر ممن استجاب لنوح عليه السلام ، وثواب نوح أكثر ، لصبره على الأعداء ، ومقاساة خلافهم وعنتهم . واما انفاق المال ، فأين محنة الغنى من محنة الفقير وأين يعتدل اسلام من أسلم وهو غنى ، إن جاع اكل ، وإن أعيا ركب ، وإن عرى لبس ، قد وثق بيساره واستغنى بماله ، واستعان على نوائب الدنيا بثروته ، ممن لا يجد قوت يومه ، وان وجد لم يستأثر به ، فكان الفقر شعاره ، وفى ذلك قيل الفقر شعار المؤمن . وقال الله تعالى لموسى ( يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين ) ، وفى الحديث ( إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ) ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يقول ( اللهم احشرني في زمرة الفقراء ) ، ولذلك أرسل الله محمدا صلى الله عليه وآله فقيرا ، وكان بالفقر سعيدا ، فقاسى محنة الفقر ومكابدة الجوع ، حتى شد الحجر على بطنه ، وحسبك بالفقر فضيلة في دين الله لمن صبر عليه ، فإنك لا تجد صاحب الدنيا يتمناه ، لأنه مناف لحال الدنيا وأهلها ، وإنما هو شعار أهل الآخرة . واما طاعة علي عليه السلام ، وكون الجاحظ زعم أنها كانت لان في عز محمد عزه وعز رهطه ، بخلاف طاعة أبى بكر ، فهذا يفتح عليه أن يكون جهاد حمزة كذلك ، وجهاد عبيدة بن الحارث ، وهجرة جعفر إلى الحبشة ، بل لعل محاماة المهاجرين من قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله كانت لان في دولته دولتهم ، وفي نصرته استجداد ملك لهم ، وهذا يجر إلى الالحاد ، ويفتح باب الزندقة ، ويفضي إلى الطعن في الاسلام والنبوة . قال الجاحظ وعلى انا لو نزلنا إلى ما يريدونه ، جعلنا الفراش كالغار ، وخلصت فضائل أبى بكر في غير ذلك عن معارض . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله قد بينا فضيلة المبيت على الفراش على فضيلة الصحبة