ابن أبي الحديد

261

شرح نهج البلاغة

مستغنيا في خروجك عن مثلي ، ونجعل عبدا من عبيدنا في فراشك ، قائما مقامك ، يتوهم القوم - برؤيته نائما في بردك - انك لم تخرج ، ولم تفارق مركزك ، فلم يقل ذلك ، ولا تحبس ولا توقف ، ولا تلعثم ، وذلك لعلم كل واحد منهما صلى الله عليه وآله أن أحدا لا يصبر على ثقل هذه المحنة ، ولا يتورط هذه الهلكة ، الا من خصه الله تعالى بالصبر على مشقتها ، والفوز بفضيلتها ، وله من جنس ذلك أفعال كثيرة ، كيوم دعا عمرو بن عبد ود المسلمين إلى المبارزة ، فأحجم الناس كلهم عنه ، لما علموا من بأسه وشدته ، ثم كرر النداء ، فقام علي عليه السلام ، فقال انا أبرز إليه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله انه عمرو قال نعم ، وانا على فأمره بالخروج إليه ، فلما خرج قال صلى الله عليه وآله ( برز الايمان كله إلى الشرك كله ) ، وكيوم أحد حيث حمى رسول الله صلى الله عليه وآله من ابطال قريش وهم يقصدون قتله ، فقتلهم دونه ، حتى قال جبرئيل عليه السلام ( يا محمد إن هذه هي المواساة ) فقال ( انه منى وانا منه ) ، فقال جبريل ( وانا منكما ) ولو عددنا أيامه ومقاماته التي شرى فيها نفسه لله تعالى لأطلنا وأسهبنا . قال الجاحظ فان احتج محتج لعلى عليه السلام بالمبيت على الفراش ، فبين الغار والفراش فرق واضح ، لان الغار وصحبة أبى بكر للنبي صلى الله عليه وآله قد نطق به القرآن ، فصار كالصلاة والزكاة وغيرهما مما نطق به الكتاب ، وامر علي عليه السلام ونومه على الفراش ، وإن كان ثابتا صحيحا ، الا انه لم يذكر في القرآن ، وإنما جاء مجئ الروايات والسير ، وهذا لا يوازن هذا ولا يكايله ( 1 ) . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله هذا فرق غير مؤثر ، لأنه قد ثبت بالتواتر حديث

--> ( 1 ) العثمانية 44 .