ابن أبي الحديد

258

شرح نهج البلاغة

مقهورين لا حراك بهم ، وأذلاء لا عز لهم ، وفقراء لا مال عندهم ، ومستخفين لا يمكنهم اظهار دعوتهم ، لفرقا واضحا ، ولقد كانوا في حال أحوجت لوطا وهو نبي إلى أن قال ( لو أن لي بكم قوه أو آوى إلى ركن شديد ) ( 1 ) وقال النبي صلى الله عليه وآله ( عجبت من أخي لوط ، كيف قال أو آوى إلى ركن شديد ، وهو يأوي إلى الله تعالى ) ثم لم يكن ذلك يوما ولا يومين ولا شهرا ولا شهرين ، ولا عاما ولا عامين ، ولكن السنين بعد السنين وكان أغلظ القوم وأشدهم محنة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر ، لأنه أقام بمكة ما أقام رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث عشرة سنة ، وهو أوسط ما قالوا في مقام النبي صلى الله عليه وآله ( 2 ) . قال شيخنا أبو جعفر رحمه الله ما نرى الجاحظ احتج لكون أبى بكر أغلظهم وأشدهم محنة ، الا بقوله لأنه أقام بمكة مدة مقام الرسول صلى الله عليه وآله بها ، وهذه الحجة لا تخص أبا بكر وحده ، لان عليا عليه السلام أقام معه هذه المدة ، وكذلك طلحة وزيد وعبد الرحمن وبلال وخباب وغيرهم ، وقد كان الواجب عليه أن يخص أبا بكر وحده بحجة تدل على أنه كان أغلظ الجماعة ، وأشدهم محنة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فالاحتجاج في نفسه فاسد . ثم يقال له ما بالك أهملت أمر مبيت علي عليه السلام على الفراش بمكة ليلة الهجرة هل نسيته أم تناسيته فإنها المحنة العظيمة والفضيلة الشريفة التي متى امتحنها الناظر ، وأجال فكره فيها ، رأى تحتها فضائل متفرقة ومناقب متغايرة ، وذلك أنه لما استقر الخبر عند المشركين أن رسول الله صلى الله عليه وآله مجمع على الخروج من بينهم للهجرة

--> ( 1 ) سورة هود 80 . ( 2 ) العثمانية 41 .