ابن أبي الحديد
256
شرح نهج البلاغة
فقد علم الناس أن عليا عليه السلام إنما ظهر فضله ، وانتشر صيته ، وامتحن ولقى المشاق منذ يوم بدر ، وانه إنما قاتل في الزمان الذي استوفى فيه أهل الاسلام ، وأهل الشرك ، وطمعوا في أن يكون الحرب بينهم سجالا ، وأعلمهم الله تعالى أن العاقبة للمتقين ، وأبو بكر كان قبل الهجرة معذبا ومطرودا مشردا ، في الزمان الذي ليس بالاسلام وأهله نهوض ولا حركة ، ولذلك قال أبو بكر في خلافته طوبى لمن مات في فأفأة الاسلام يقول في ضعفه ( 1 ) . قال أبو جعفر رحمه الله لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان ، والخطأ أقعده ، والخذلان أصاره إلى الحيرة ، فما علم وعرف حتى قال ما قال ، فزعم أن عليا عليه السلام قبل الهجرة لم يمتحن ولم يكابد المشاق ، وانه إنما قاسى مشاق التكليف ومحن الابتلاء منذ يوم بدر ، ونسي الحصار في الشعب ، وما منى به منه ، وأبو بكر وادع رافه ، يأكل ما يريد ، ويجلس مع من يحب ، مخلى سربه ، طيبة نفسه ، ساكنا قلبه ، وعلى يقاسي الغمرات ، ويكابد الأهوال ، ويجوع ويظمأ ، ويتوقع القتل صباحا ومساء ، لأنه كان هو المتوصل المحتال في احضار قوت زهيد من شيوخ قريش وعقلائها سرا ، ليقيم به رمق رسول الله صلى الله عليه وآله وبنى هاشم ، وهم في الحصار ، ولا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله له بالقتل ، كأبي جهل بن هشام وعقبه بن أبي معيط ، والوليد بن المغيرة ، وعتبة ابن ربيعة وغيرهم من فراعنة قريش وجبابرتها ، ولقد كان يجيع نفسه ويطعم رسول الله صلى الله عليه وآله زاده ، ويظمئ نفسه ويسقيه ماءه وهو كان المعلل له إذا مرض ، والمؤنس له إذا استوحش ، وأبو بكر بنجوة عن ذلك لا يمسه مما يمسهم ألم ، ولم يلحقه مما يلحقهم مشقة ، ولا يعلم بشئ من اخبارهم وأحوالهم ، الا على سبيل الاجمال دون التفصيل ، ثلاث سنين ، محرمة معاملتهم ومناكحتهم ومجالستهم ، محبوسين محصورين ممنوعين من الخروج
--> ( 1 ) العثمانية 39 ، 40 مع تصرف واختصار .