ابن أبي الحديد
255
شرح نهج البلاغة
فاما قوله أن أبا بكر عذب بمكة ، فانا لا نعلم أن العذاب كان واقعا الا بعبد أو عسيف ( 1 ) ، أو لمن لا عشيرة له تمنعه ، فأنتم في أبى بكر بين أمرين تارة تجعلونه دخيلا ساقطا ، وهجينا رذيلا مستضعفا ذليلا ، وتارة تجعلونه رئيسا متبعا ، وكبيرا مطاعا ، فاعتمدوا على أحد القولين لنكلمكم بحسب ما تختارونه لأنفسكم . ولو كان الفضل في الفتنة والعذاب ، لكان عمار وخباب وبلال وكل معذب بمكة أفضل من أبى بكر ، لأنهم كانوا من العذاب في أكثر مما كان فيه ، ونزل فيهم من القرآن ما لم ينزل فيه ، كقوله تعالى ( والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا ) ( 2 ) قالوا نزلت في خباب وبلال ، ونزل في عمار قوله ( الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ) ( 3 ) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يمر على عمار وأبيه وأمه ، وهم يعذبون ، يعذبهم بنو مخزوم لأنهم كانوا حلفاءهم ، فيقول ( صبرا آل ياسر فان موعدكم الجنة ) ، وكان بلال يقلب على الرمضاء ، وهو يقول أحد أحد وما سمعنا لأبي بكر في شئ من ذلك ذكرا ، ولقد كان لعلى عليه السلام عنده يد غراء ، إن صح ما رويتموه في تعذيبه ، لأنه قتل نوفل بن خويلد وعمير بن عثمان يوم بدر ، ضرب نوفلا فقطع ساقه ، فقال أذكرك الله والرحم فقال قد قطع الله كل رحم وصهر الا من كان تابعا لمحمد ، ثم ضربه أخرى ففاضت نفسه ، وصمد لعمير بن عثمان التميمي ، فوجده يروم الهرب ، وقد ارتج عليه المسلك ، فضربه على شراسيف صدره ، فصار نصفه الأعلى بين رجليه ، وليس أن أبا بكر لم يطلب بثاره منهما ، ويجتهد ، لكنه لم يقدر على أن يفعل فعل علي عليه السلام ، فبان علي عليه السلام بفعله دونه قال الجاحظ ولأبي بكر مراتب لا يشركه فيها على ولا غيره ، وذلك قبل الهجرة
--> ( 1 ) العسيف : الأجير . ( 2 ) سورة النحل 41 . ( 3 ) سورة النحل 106 .