ابن أبي الحديد
254
شرح نهج البلاغة
ثقيلا على قلوبهم ، وهو المخصوص دون أبى بكر بالحصار في الشعب ، وصاحب الخلوات برسول الله صلى الله عليه وآله في تلك الظلمات ، المتجرع لغصص المرار من أبى لهب وأبى جهل وغيرهما ، والمصطلي لكل مكروه والشريك لنبيه في كل أذى ، قد نهض بالحمل الثقيل ، وبان بالامر الجليل ، ومن الذي كان يخرج ليلا من الشعب على هيئة السارق ، يخفى نفسه ، ويضائل شخصه ، حتى يأتي إلى من يبعثه إليه أبو طالب من كبراء قريش ، كمطعم بن عدي وغيره ، فيحمل لبني هاشم على ظهره أعدال الدقيق والقمح ، وهو على أشد خوف من أعدائهم ، كأبي جهل وغيره ، لو ظفروا به لأراقوا دمه . أعلي كان يفعل دلك أيام الحصار في الشعب ، أم أبو بكر وقد ذكر هو عليه السلام حاله يومئذ ، فقال في خطبة له مشهورة فتعاقدوا الا يعاملونا ولا يناكحونا ، وأوقدت الحرب علينا نيرانها ، واضطرونا إلى جبل وعر ، مؤمننا يرجو الثواب ، وكافرنا يحامى عن الأصل ، ولقد كانت القبائل كلها اجتمعت عليهم ، وقطعوا عنهم المارة والميرة ، فكانوا يتوقعون الموت جوعا ، صباحا ومساء ، لا يرون وجها ولا فرجا ، قد اضمحل عزمهم ، وانقطع رجاؤهم ، فمن الذي خلص إليه مكروه تلك المحن بعد محمد صلى الله عليه وآله الا علي عليه السلام وحده وما عسى أن يقول الواصف والمطنب في هذه الفضيلة ، من تقصى معانيها ، وبلوغ غاية كنهها ، وفضيلة الصابر عندها ودامت هذه المحنة عليهم ثلاث سنين ، حتى انفرجت عنهم بقصة الصحيفة ، د والقصة مشهورة . وكيف يستحسن الجاحظ لنفسه أن يقول في علي عليه السلام انه قبل الهجرة كان وادعا رافها لم يكن مطلوبا ولا طالبا ، وهو صاحب الفراش الذي فدى رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ، ووقاه بمهجته ، واحتمل السيوف ورضح الحجارة دونه وهل ينتهى الواصف وان أطنب ، والمادح وان أسهب ، إلى الإبانة عن مقدار هذه الفضيلة ، والايضاح بمزية هذه الخصيصة .