ابن أبي الحديد

251

شرح نهج البلاغة

والفرث عليه ، وكانوا يؤذون عليا عليه السلام كأذاه ، ويجتهدون في غمه ويستهزئون به ، وما كان لأبي بكر قرابة تؤذيه كقرابة على ولما كان بين على ، وبين النبي صلى الله عليه وآله من الاتحاد والألف والاتفاق ، أحجم المنافقون بالمدينة عن أذى رسول الله صلى الله عليه وآله خوفا من سيفه ، ولأنه صاحب الدار والجيش ، وأمره مطاع ، وقوله نافذ ، فخافوا على دمائهم منه ، فاتقوه ، وأمسكوا عن اظهار بغضه ، وأظهروا بغض علي عليه السلام وشنآنه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله في حقه في الخبر الذي روى في جميع الصحاح ( لا يحبك الا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق ) وقال كثير من اعلام الصحابة - كما روى في الخبر المشهور بين المحدثين ( ما كنا نعرف المنافقين الا ببغض على ابن أبي طالب ) وأين كان ظهر أبى طالب عن جعفر ، وقد أزعجه الأذى عن وطنه ، حتى هاجر إلى بلاد الحبشة وركب البحر ، أيتوهم الجاحظ أن أبا طالب نصر عليا ، وخذل جعفرا . قال الجاحظ ولأبي بكر فضيلة في اسلامه انه كان قبل اسلامه كثير الصديق ، عريض الجاه ، ذا يسار وغنى ، يعظم لماله ، ويستفاد من رأيه ، فخرج من عز الغنى وكثرة الصديق إلى ذل الفاقة وعجز الوحدة ، وهذا غير اسلام من لا حراك به ، ولا عز له ، تابع غير متبوع ، لان من أشد ما يبتلى الكريم به ، السب بعد التحية ، والضرب بعد الهيبة ، والعسر بعد اليسر . ثم كان أبو بكر دعية من دعاة الرسول ، وكان يتلوه في جميع أحواله ، فكان الخوف إليه أشد ، والمكروه نحوه أسرع ، وكان ممن تحسن مطالبته ، ولا يستحيى من ادراك الثار عنده ، لنباهته ، وبعد ذكره ، والحدث الصغير يزدري ويحتقر لصغر سنه وخمول ذكره ( 1 ) .

--> ( 1 ) العثمانية 25 ، 26 ، مع تصرف واختصار .