ابن أبي الحديد

242

شرح نهج البلاغة

لم يميز بين الميزان والعود بعد طول السن ، وكثرة التجارب ، ولم يميز أيضا بين امام الرشد وامام الغي ، فإنه امتنع من بيعة علي عليه السلام . وطرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع لعبد الملك ، كيلا يبيت تلك الليلة بلا امام ، زعم . لأنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال ( من مات ولا امام له مات ميته جاهلية ) ، وحتى بلغ من احتقار الحجاج له واسترذاله حاله ، أن اخرج رجله من الفراش ، فقال اصفق بيدك عليها ، فذلك تمييزه بين الميزان والعود ، وهذا اختياره في الأئمة ، وحال علي عليه السلام في ذكائه وفطنته ، وتوقد حسه ، وصدق حدسه ، معلومة مشهورة ، فإذا جاز أن يصح اسلام ابن عمر ، ويقال عنه انه عرف تلك الأمور التي سردها الجاحظ ونسقها ، وأظهر فصاحته وتشدقه فيها ، فعلى بمعرفة ذلك أحق ، وبصحة اسلامه أولى . وان قال لم يكن ابن عمر يعلم ويعرف ذلك ، فقد أبطل اسلامه ، وطعن في رسول الله صلى الله عليه وآله حيث حكم بصحة اسلامه وأجازه يوم الخندق ، لأنه عليه السلام كان قال لا أجيز الا البالغ العاقل ، ولذلك لم يجزه يوم أحد . ثم يقال له إن ما نقوله في بلوغ علي عليه السلام الحد الذي يحسن فيه التكليف العقلي بل يجب - وهو ابن عشر سنين - ليس بأعجب من مجئ الولد لستة أشهر ، وقد صحح ذلك أهل العلم ، واستنبطوه من الكتاب ، وإن كان خارجا من التعارف والتجارب والعادة . وكذلك مجئ الولد لسنتين خارج أيضا عن التعارف والعادة ، وقد صححه الفقهاء والناس . ويروى أن معاذا لما نهى عمر عن رجم الحامل تركها حتى ولدت غلاما قد نبتت ثنيتاه ، فقال أبوه ابني ورب الكعبة فثبت ذلك سنة يعمل بها الفقهاء ، وقد وجدنا العادة تقضى بان الجارية تحيض لاثنتي عشرة سنة ، وانه أقل سن تحيض فيه المرأة ، وقد