ابن أبي الحديد

239

شرح نهج البلاغة

انا لو نزلنا على حكم الخصوم ، وقلنا ما هو الأشهر والأكثر من الرواية ، وهو انه أسلم وهو ابن عشر لم يلزم ما قاله الجاحظ ، لان ابن عشر قد يستجمع عقله ، ويعلم من مبادئ المعارف ما يستخرج به كثيرا من الأمور المعقولة ، ومتى كان الصبي عاقلا مميزا كان مكلفا بالعقليات ، وإن كان تكليفه بالشرعيات موقوفا على حد آخر وغاية أخرى ، فليس بمنكر أن يكون علي عليه السلام وهو ابن عشر قد عقل المعجزة ، فلزمه الاقرار بالنبوة ، وأسلم اسلام عالم عارف ، لا اسلام مقلد تابع ، وإن كان ما نسقه الجاحظ وعدده من معرفه السحر والنجوم والفصل بينهما وبين النبوة ، ومعرفة ما يجوز في الحكمة مما لا يجوز ، وما لا يحدثه الا الخالق ، والفرق بينه وبين ما يقدر عليه القادرون بالقدرة ، ومعرفة التمويه والخديعة ، والتلبيس والمماكرة ، شرطا في صحة الاسلام لما صح اسلام أبى بكر ولا عمر ولا غيرهما من العرب ، وإنما التكليف لهؤلاء بالجمل ومبادئ المعارف لا بدقائقها والغامض منها ، وليس يفتقر الاسلام إلى أن يكون المسلم قد فاتح الرجال وجرب الأمور ونازع الخصوم ، وإنما يفتقر إلى صحة الغريزة وكمال العقل وسلامة الفطرة ، الا ترى أن طفلا لو نشأ في دار لم يعاشر الناس بها ، ولا فاتح الرجال ، ولا نازع الخصوم ، ثم كمل عقله ، وحصلت العلوم البديهية عنده ، لكان مكلفا بالعقليات . فاما توهمه أن عليا عليه السلام أسلم عن تربية الحاضن ، وتلقين القيم ، ورياضة السائس ، فلعمري أن محمدا صلى الله عليه وآله كان حاضنه وقيمه وسائسه ، ولكن لم يكن منقطعا عن أبيه أبى طالب ولا عن إخوته طالب ، وعقيل وجعفر ، ولا عن عمومته وأهل بيته ، وما زال مخالطا لهم ، ممتزجا بهم ، مع خدمته لمحمد صلى الله عليه وآله ، فما باله لم يمل إلى الشرك وعبادة الأصنام لمخالطته إخوته وأباه وعمومته وأهله ، وهم كثير ومحمد صلى الله عليه وآله واحد وأنت تعلم إن الصبي إذا كان له أهل ذوو كثرة ، وفيهم واحد